الملتقي النسائي:: ​الإيمان وارتقاء المجتمع:
Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 

الإيمان وارتقاء المجتمع:

مجتمع بلا إيمان هو غابة لا أخلاق فيها؛ لأن الحياة فيها للأقوى، لا للأفضل والأعلم، وهو مجتمع ساقط تافه هابط، غايات أهله لا تتجاوز شهواتهم؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾ [محمد: 12]، ومن هنا كانت الحاجة الملحة للحديث عن نور الإيمان وآثاره في المجتمع، والتي منها:

1- الإيمان والأخلاق: الدين والأخلاق صديقان حميمان، وعنصران متلازمان؛ لذلك حدد الرسول صلى الله عليه وسلم الغاية من رسالته بقوله: ((إنما بُعِثْتُ لأتمم مكارم الأخلاق))؛ فالأخلاق مرتبطة بالإيمان، وفسادها دليل على فقد الإيمان، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن))، قيل: من يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يأمن جارُه بوائقَه))، والبوائق: هي الشرور مهما كانت، وغالبًا ما تكون أخلاقية، كما أن أدنى شُعَب الإيمان إماطةُ الأذى عن الطريق، وعليه فإن فلاح المؤمن مرتبط بدمج الجانب التعبدي مع الجانب الأخلاقي في الإسلام.

 

2- الإيمان والإنتاج: المؤمن يؤدي العمل بإرادة وضمير ينبعث من داخله، لا بسوطٍ يسوقه من الخارج؛ لذلك الباعث الذاتي هو الإيمان بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، وأنه يتعبد إلى الله تعالى بعمله مهما كان هذا العمل، فهو تستوي عنده العبادة في مسجد، والعمل في وظيفته، وهو يوقن بأن مهمته هي عمارة الأرض، ويوقن أن السعادة في الآخرة والنجاح في الدنيا موقوفان على عمله وإنتاجه؛ لأن الجنة ليست جزاء لأهل الفراغ والكسالى، بل لأهل الجِدِّ والعمل والإتقان؛ قال تعالى: ﴿ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 43].

 

3- الإيمان والإصلاح: إننا في عصر اضطربت فيه الآراء، واختلطت فيه الأهواء، وكثرت فيه إذاعات وقنوات الإفتاء، ولا شك أن الذي يبعث على الإصلاح هو طريق الإيمان بالله عز وجل، فنحن نوقن أنه لا صلاح ولا إصلاح لأحوال الخلق إلا من منطلق الإيمان بخالق الخلق، والعمل بما يصلح شؤونهم وحياتهم؛ قال تعالى: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88]، ولو تأملنا آيات القرآن الكريم لوجدناها تربط بين الإيمان والإصلاح، وتجعل الإيمان مقدمة له، وتجعله سابقًا عليه؛ لأنه لا يمكن أن يكون إصلاح بغير المنطلق الإيماني؛ قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الأعراف: 35]، فلا ينبعث الإصلاح إلا ممن اتقى الله، وعمر قلبه بخشيته وتقواه؛ ولذلك مهما عمل الإنسان الفاسد البعيد عن الله تعالى فإن عمله إلى بوار، وإن بدا هذا العمل ناجحًا، فإن انتفاشه وكثرة الأبواق حوله لا تعني صلاحه؛ قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [يونس: 81]، فبالرغم من أن هذا السحر قد أخذ الأبصار، وأثار في القلوب الهلع والرهبة، ولكن رد كليم الله موسى عليه السلام كان رد الواثق بربه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [يونس: 81].

 

4- الإيمان والتمكين في الأرض والاستخلاف وانتشار الأمن؛ قال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55].

 

وختامًا: إن المؤمن تحت ضغط الواقع وكثرة الذنوب والمعاصي وتحت الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدَّين وقهر الرجال لا بد له من (الإيمان العميق والعمل المتواصل)؛ وذلك ليُرِيَ اللهَ مِن نفسه خيرًا، فحينها وليس قبلها بلحظة ينظر الله تعالى إليه النظرة التي يشتاق إليها، وهي (نظرة الرضا والقَبول)، وحينها ستتفجر بداخله طاقات الإيمان وينابيع الحكمة، فيأنس بالله، ويزداد تعلقه بمولاه، ولا يخيب رجاه