أسباب رجوع المفتي عن فتواه
 

أسباب رجوع المفتي عن فتواه

منذ بدء الخليقة لم يكن الكمال لمخلوق، ولم يتسم​ به إنسان، والمعصوم من عصمه الله، والناس تتفاوت مراتبهم قرباً من الكمال وبعداً، ولا شك أن العلماء الربانيين يحتلون المراتب المتقدمة نحو الكمال، ولكن لم يكن ذلك كافياً في عصمتهم؛ لاسيما فيما يعلّمون الناس من علوم شرعية، وما كان ذلك إلا للقصور البشري الذي خلق الله الناس عليه، ولاختلاف طبائعهم ومستوى الإدراك والفهم والاستنباط لديهم.

 وبين الفينة والأخرى نسمع أن ثمة عالماً تراجع عن فتوى ظلَّ يفتى بها ردهة من الزمن، وآخر غير في مستوى تشدّده في مسألة كان يأخذ أقصي اليمين فيها، وثالثاً نجده شدّد في مسألة كان يفتى بها بالتيسير، فتختلف أقوال العامة في هذا العالم أو ذاك؛ فتجد من يتهمه، وتجد من يبرر له، ولو أردنا من خلال النظر والاستقراء أن نستنبط العلة التي تجعل بعض العلماء يغير فتواه سنجد في الغالب أن ذلك التراجع له مسوغ علمي؛ سواء كان بالتشديد أو التيسير أو التفصيل.

 وأنا برأيي أن العالم الذي يُغيّر فتواه ليس ذلك بالضرورة دليلاً على ضعفه أو قصور علمه؛ لأن الإنسان -كما سبق ذكره- لم يُخلق كاملاً، بل إن صفات النقص والكمال تتجاذبه، بل هي ظاهرة صحيّة، ودليلٌ على أن هذا العالم يسير نحو الكمال وإن لم يبلغه، ولكن ذلك مشروط بأن يكون التغيّر تحت مظلة المبرر الشرعي المقبول.

ولقد حاولت حصر المبررات التي تدفع بالعالم لتغيير فتواه؛ فوجدتها تندرج تحت ستة مبررات من حيث العموم، وإن لم أجزم بذلك، لكن هذا ما أسعفتني به الذاكرة وأنا أخط هذه المقالة وهي كالآتي:

أولاً: تغير العرف: سواء أكان مرتبطاً بالمكان أم بالزمان.

فمثال تغير العرف بالمكان: كأن نقول إن أهل مصر تختلف عاداتهم وأعرافهم عن أهل العراق؛ ولعل أقرب ما يستشهد به ما حدث مع الإمام الشافعي رحمه الله؛ فإن أحد الأسباب التي غير بها اختياراته الفقهية: اختلاف العرف ما بين أهل مصر وأهل العراق؛ مما نتج عنه تحول كبير في مذهبه؛ فصار ينعت مذهبه في العراق بالقديم، ومذهبه في مصر بالجديد، وقد ذكر ذلك الإمام البيهقي رحمه الله في كتاب مناقب الشافعي حيث قال: «ثم أعاد تصنيف هذه الكتب في الجديد غير كتب معدودة؛ منها: كتاب الصيام، وكتاب الصداق، وكتاب الحدود، وكتاب الرهن الصغير، وكتاب الإجارة، وكتاب الجنائز؛ فكان يأمر بقراءة هذه الكتب عليه في الجديد، ثم يأمر بتخريق ما تغير اجتهاده فيها، وربما يدعه اكتفاءً بما ذكر في موضع آخر».

ومن المؤكد أن العرف ليس السبب الوحيد الذي جعل الإمام الشافعي يغير فتاواه، لكن هو من الأسباب الرئيسة في ذلك.

وأما تغير العرف باختلاف الزمان فمثال ذلك: «ما روي عن مالك: إذا تنازع الزوجان في قبض الصداق بعد الدخول، أن القول قول الزوج، مع أن الأصل عدم القبض، قال القاضي إسماعيل: هذه كانت عادتهم بالمدينة أن الرجل لا يدخل بأمرأته حتى تقبض جميع صداقها، واليوم عاداتهم على خلاف ذلك؛ فالقول قول المرأة مع يمينها؛ لأجل اختلاف العوائد» [الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (ص111، 112)].

ثانياً: تغير تصور المسألة في ذهن العالم:

والقاعدة تقول: (الحكم على الشيء فرع عن تصوره)، ومثال ذلك: قد يفتي العالم بجواز تناول بعض العقاقير الطبية؛ لأنه بالتجربة ثبت نفع هذه العقاقير، ولا يوجد مانع شرعي من ذلك، ثم يبدو للعالم أمرٌ يجعله يحرم تلك العقاقير؛ كأن يتضح له أن لها أثاراً جانبية مضرة تغلب على منفعتها، أو ينمو إلى علمه أن من مكوناتها ما هو محرم كالكحول أو مشتقات خنزير أو ميتة، ولم ترق حالة المريض إلى الضرورة التي تدفع العالم إلى القول بالجواز، فعند ذلك قد يغير العالم رأيه فيفتي بالتحريم بعدما كان يفتي بالحل.

ثالثاً: تغيّر قوة الدليل لدى العالم:

كأن كان يفتي بمسألة بالتحريم، ثم بدا له ضعف الدليل الذي كان يحرّم من أجله أو العكس؛ كما حدث مع الإمام أحمد في فتواه في حكم صلاة التسابيح؛ فقد جاء في المغني أن علي بن سعيد الرازي قال: «سألت أحمد بن حنبل عن صلاة التسابيح؟ فقال: ما يصح فيها عندي شيء. فقلت: عبدالله بن عمرو؟ قال: كل يرويه عن عمرو بن مالك - يعني فيه مقال -. فقلت: قد رواه المستمر بن الريان، عن أبي الجوزاء. قال: من حدثك؟ قلت: مسلم - يعني ابن إبراهيم - فقال: المستمر شيخ ثقة. وكأنه أعجبه». قال ابن حجر العسقلاني في أماليه: «فكأن أحمد لم يبلغه ذلك أولاً إلا من حديث عمرو بن مالك - وهو النكرى -، فلما بلغته متابعة المستمر أعجبه، فظاهره أنه رجع عن تضعيفه». [اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (2/43)].

أو مثلاً: بطلان قياسه على مسألة أخرى لانتفاء العلة المشتركة بينهما بعدما كان يظن تقاسمهما في العله.

رابعاً: الضــرورة:

وهي أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل العالم يغير فتواه فقد يجيز المفتي ما حُرّمَ لضرورة الحال، بل إن النص القرآني صريح في ذلك حيث يقول الله تعالى: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين [الأنعام: ١١٩].

خامساً: تغير الفتوى سياسيةً.

فالعالم قد يفتي ببعض الفتاوى تشدداً أو تساهلاً ما لم يخرج عن الإطار الفقهي العام لأسباب تمس الأمن الاجتماعي أو السياسي أو الديني ..... إلخ، ويقدّرها العالم الثقة الرباني.

ومن أمثلة ذلك: الحادثة الشهيرة التي جرت مع ابن عباس رضى الله عنهما؛ فقد ذكر الإمام القرطبي في تفسيره قال: «روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: (ألمن قتل مؤمناَ متعمداً توبة؟ قال لا، إلا النار، قال: فلما ذهب. قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة، قال: إني لأحسبه رجلاً مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً. قال: فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك» وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح. اهـ.

 ولا أريد التوسع في هذه النقطة لحساسيتها الشديدة، ولأنه قد يساء استعمالها من قبل بعض طلبة العلم الذين لم يتمرسوا جيداً في فهم السياسة الفقهية.

سادساً: مجون المفتي:

وأتوقف قليلاً قبل الكتابة في هذا السبب؛ لأبرر ذكره حيث إنه سبب غير ممتنع نسأل الله تعالى العافية والثبات على دينه؛ لأن الإنسان لا يأمن على نفسه الفتنة ما دام هو في هذه الدنيا، وإن جرت العادة على أن كثيراً من العلماء قد حفظهم الله وأمهم من الفتنة في الدين بما في قلوبهم من خشية الله وبما رزقهم من العلم والورع والله تعالى يقول:  ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [الأعراف: ٩٩].

وقد يكون من المناسب ذكر قصة احتضار الإمام أحمد رحمه الله تعالى التي ذكرها الإمام ابن كثير في البداية والنهاية قال: «وقد روي عن ابنه عبدالله، ويروى عن صالح أيضاً أنه قال: حين احتضر أبي جعل يكثر أن يقول: لا بعد لا بعد. فقلت: يا أبت! ما هذه اللفظة التي تلهج بها في هذه الساعة؟ فقال: يا بني! إن إبليس واقف في زاوية البيت وهو عاض على إصبعه، وهو يقول: فُتّني يا أحمد؟ فأقول: لا بعد، لا بعد ـ يعني: لا يفوته حتى تخرج نفسه من جسده على التوحيد» [البداية والنهاية (10/375)].

وقد ضرب الله تعالى مثلاً في كتابه للعالم الضال: ﴿واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين لأعراف: ١٧٥]  

فإذا ضَعُفَ جانب التقوى أخذ بالرخص من غير دليل، وأصدر الفتاوى لشهوة في نفسه، إما مجوناً أو لتحصيل منفعة دنيوية، نسأل الله العافية، وفي مثل هذا العالم قال العلماء: يُحجَر عليه؛ فالحَجْرُ لحفظ الأديان أولى  من الحجر لحفظ الأموال. نسأل الله الثبات على دينه إلى يوم لقياه.

ومن أمثلة ذلك: ما ذكره الإمام الشوكاني رحمه الله في كتاب إرشاد الفحول قال: «دخل القاضي إسماعيل -يوماً- على المعتضد العباسي، فرفع إليه الخليفة كتاباً وطلب منه أن ينظر فيه، وقد جمع فيه صاحبه الرخص من زلل العلماء، فقال له القاضي المذكور -بعد أن تأمله-: «مصنف هذا زنديق»، فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قال: بلى، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب».

وفي الختام أرجو أن أكون بهذه المقالة ساهمت ولو بنزرٍ يسير في توضيح هذه المسألة التي كثر حولها الحديث بين طلبة العلم خاصة وبين الناس عامة.

 

بقلم/

تركي عيسى المطيري

مدير إدارة الإفتاء​​​

 
عدد القراء : 5809