بين الغيرة من النجاح ونجاح الغيرة
 
 

بين الغيرة من النجاح ونجاح الغيرة

 

لا شك أن الإنسان كتلة من المشاعر فهو يحب ويكره ، يغضب ويرضى ، يضحك ويبكي ...الخ، كما أن من تلك المشاعر الشعور بالغيرة.

والغيرة في نظري سلوك إيجابي إذا دفعت الإنسان للتحدِّي وتحصيل ما حازه غيره، والله عز وجل يقول: )وفي ذلك فليتنافس المتنافسون( [المطففين:26]. ولولا الغيرة ما تنافس المتنافسون، ولا نشأ التحدي بين كثير من الناس في حيازة قصب السبق .

وإلى هنا الغيرة جيدة، بل هي من الدوافع العظام لعمارة الأرض، إلا أن الغيرة في بعض الأحيان قد تكون مدمرة للغيور.. كيف ؟

عندما تدفع الغيرة صاحبها إلى قرع طبول الحرب على منافسه داعياً إلى إزالته من ميدان المنافسة بالكلية دون مبررات كافية أو أجوبة شافية .

فهؤلاء أخوة يوسف عليه السلام قالوا: ) لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ( [يوسف:8]، ولو دققنا في تعليلهم لوجدنا أنهم افترضوا تعليلاً خاصًّا بهم للنجاح لم يقله يعقوب عليه السلام، ليتهربوا من العلَّة الحقيقية والسعي الصحيح الذي يتطلب منهم وقتاً وجهداً لتحصيل محبة أبيهم، فكان أرحم حكم اتخذ في حقه أن قال قائلهم: )لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ( [يوسف:10]، ولكونهم آثروا نجاح الغيرة المجردة من السعي في تجاوز الخلل الموجود في السلوك، أو تلافي الأخطاء في الحياة، واكتفوا ببعض أسباب الغيرة )وَنَحْنُ عُصْبَةٌ( كانت العاقبة للناجح الحقيقي ولو حاز الغيور بعض ملامح النصر الجزئي .

وهؤلاء بنو إسرائيل طلبوا ملكاً؛ فكانوا يظنون أن الله عز وجل لن يختار غير نخب المجتمع التي أفرزوها بمقياسهم النسبي، فلما أخرجها الله منهم لغيرهم قالوا: )أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ( [البقرة:247]، ولو أنهم آمنوا ورضوا وسعوا في منافسته في تقواه وصلاحه فليس ثمة مانع من أن يصطفيهم الله عز وجل أو يصطفي من ذراريهم في مواقف أخرى يفخرون بها ، لكن أيضاً كانت العاقبة والنصر والتمكين لطالوت، أما المناوئون له فاندثر ذكرهم وغاب في طيات الزمن .

فالغيرة ليست سلوكاً خاطئاً مطلقاً، لكن الخطأ الحقيقي أن نساعد على نجاح الغيرة المجردة من السعي، ونهضم حق من كافح من أجل النجاح .

 

بقلـم/

تركي عيسى المطيري

مدير إدارة الإفتاء
 
عدد القراء : 3470