خواطر حول مهمة في ماليزيا
 
 

خواطر حول مهمة في ماليزيا

 

أقلعت بنا الطائرة من مطار الكويت في الساعة الثانية عشر ليلاً متوجهة إلى مطار كوالالمبور عاصمة جمهورية ماليزيا، والتي أصبحت - كما يقال - سحر الشرق، وكم كنت مشتاقاً لزيارتها؛ فهي الدولة التي كسرت قيد التخلُّف، وانطلقت تسابق الريح؛ تلحق بركب الحضارة والتطور؛ فلقد سئم شعبها - كما سئمت الكثير من الشعوب - من أن تعيش تحت تصنيف دول العالم الثالث.

لكن العجيب في هذه الدولة أنها اختارت هذا النهج على قلِّة مواردها الاقتصادية آنذاك، بالإضافة إلى أن الشعب الماليزي عبارة عن خليط من عدة عرقيات؛ فهو يحوي في تكوينه على نسبة كبيرة من الصينيين، والهنود، والملاويين، وغيرهم، كما أن الشعب فيه عدة ديانات؛ وإن كانت الديانة الإسلامية لها النصيب الأكبر، لكن يبدو أنه شعب يُحسن التفكير واتخاذ القرار، وهذا ليس بالجديد على هذا الشعب؛ حيث لنا في التاريخ شاهد لا يمكن تجاهله؛ فماليزيا هي من الدول القلائل التي لم يدخلها الاسلام بالسنان، بل دخلها بالفكر والحوار بواسطة التجار العرب؛ فاختارت الإسلام وهي تموج في بحر من الديانات الأخرى كالبوذية والوثنية وغيرها، وهاهي اليوم تشق طريقاً آخر للنجاح في بحرٍ من دول العالم الثالث مسجلة إنجازاً جديداً يضاف إلى إنجازاتها التاريخية.

حطَّت بنا الطائرة في مطار كوالالمبور في تمام الساعة الواحدة والنصف بتوقيت ماليزيا؛ فما إن وصلتُ الفندق حتى بدأت بترتيب أوراقي لحضور المؤتمر، وإجراء اتصالاتي لعمل لقاءات مع المختصين بالفتوى وشؤونها.

فالتقينا في صباح اليوم التالي برئيس مجلس الافتاء الدكتور عبد الشكور، وكان لقاءً مثمراً؛ عرفنا من خلاله منهجية الإفتاء المتبعة في المجلس، ومواعيد اجتماعها، وطرق إصدار الفتاوي الرسمية المعتمدة، ولقد فاجأنا عند إجابته على سؤال وجهته إليه عن مدى اهتمامهم باللغة العربية؛ حيث أجابني قائلاً: إن هناك خطة للدولة لتعليم اللغة العربية للشعب؛ بحيث تكون نسبة من تعلم اللغة العربية عام 2015م يقارب 10% ، وشرح لنا الوسائل المتبعة لتطبيق هذه الخطة؛ حيث أدخل تعليم اللغة العربية من خلال تعليم القران للتلاميذ في المدارس.

وتناول الحوار أشياء أخري كثيرة لو شرحناها لطال بنا المقام؛ حيث كان الحديث مع فضيلته مثمراً جدًّا.

وفي يوم آخر كان اللقاء - في المؤتمر- مع كثير من المختصين والمعنيّين بما يسمى لديهم بــ (الحلال)؛ وهو مشروع يقوم على مراقبة أساليب الذبح ونوعية الذبائح ومشتقاتها ومدى شرعيتها، كما استمعنا من خلال المحاضرات لبعض الحقائق العلمية والاجتهادات الفقهية التي اتسمت بحُسن العرض والتقسيم حول المنتجات الغذائية التي تحتوي على منتجات ومشتقات حيوانية، كما كانت هناك محاضرة قيمة للدكتور هاني المزيدي من معهد الكويت للأبحاث العلمية.

وفي وقت آخر توجهنا الى مدينة "برتاجا" لزيارة مؤسسة "جاكيم"، و"جاكيم" هذه عبارة عن مؤسسة ضخمة أشبه ما تكون بوزارة الأوقاف، وما كان يهمنا في "جاكيم" في الحقيقة هو قسم الإفتاء على وجه الخصوص، لكن قبل الولوج في حيثيات الاجتماع لا بد وأن نتكلم عن "برتجايا" تلك المدينة اللاورقية، وهي عبارة عن مدينة حكومية لا يستخدم فيها الورق؛ فهي مدينة نموذجية حقيقية لما سيكون عليه العالم مستقبلاً؛ إنها مجموعة من المؤسسات الحكومية الإلكترونيه البحتة، وهذه من عجائب هذه الدولة، كما أن من عجائبها التكنولوجية والتي أثارت استغرابي فعلاً وتساءلت: هل هناك من الدول من حذى حذوها فيه؟ ألا وهي تغطيتها لشوارع كوالالمبور بشبكة الانترنت؛ فأنت إن زرت كوالالمبور لست بحاجة للبحث عن شركة لتشترك بخدمة النت، ولا أن تبحث عن أحد المجمعات التجارية للحصول على الخدمة؛ فالإنترنت متوفرة سواء كنت تتجول في أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة ماشياً، أو كنت في سيارة الأجرة، أو في الباص؛ فالخدمة مجانية للكل!

نرجع لاجتماعنا في "جاكيم" حيث كان في استقبالنا أعضاء الإفتاء، فأطلعونا أثناء الحوار معهم عن وسائلهم للاتصال بالجمهور، وكيفية الإجابة عن أسئلة المستفتين والطرق المتبعة في ذلك، كما قمنا نحن من جانبنا بشرح مختصر لعمل إدارة الإفتاء في دولة الكويت مما أثار إعجابهم، واعربوا عن تمنيهم زيارتها والاطلاع مباشرة على عمل هيئة الفتوى ولجانها، وزيارة وحدة البحث العلمي.

وختمت زيارتنا باتفاق مع مفتي "جاكيم"  بشكل ودِّي أن نقوم بالتعاون العلمي بين إدارة الإفتاء في دولة الكويت وبين الإفتاء في "جاكيم"، وإن كنا نتمنى أن يتكلل هذا الاتفاق مستقبلاً ببرتكول بين البلدين يصب في مصلحة الإفتاء والارتقاء بوسائله.

وإلى هنا انتهت مهمتنا الرسمية في هذا البلد الاستثنائي بين الدول الإسلامية، والتي نود أن نحذو حذوها في التطور العلمي والتقني، وفعلاً كانت مهمة مميّزة، ودولة تتسم بالإنجاز؛ حيث تشعر بقيمة الوقت والعلم والعمل في كل ناحية تزورها.

بقلم /

تركي عيسى المطيري

مدير إدارة الإفتاء

 
 
عدد القراء : 3164