ظاهرة الفتاوى الشاذة .. أسباب وحلول (2/2)
 
 

ظاهرة الفتاوى الشاذة .. أسباب وحلول (2/2)

تناولنا في المقالة السابقة بيان أهمية منصب الإفتاء ، وعظيم شأنه في الإسلام ، وأنه لا بد لمن أراد تقلد هذا المنصب أن ينال حظاً وافراً من العلم الشرعي ، ويقطع شوطاً كبيراً في تحصيل علومه المختلفة ، ليكون على علم ودراية بأحكام الدين؛ لأن الإفتاء بغير علم تقوّل على الله وكذب وافتراء وافتئات على دين الله ، وتشريع لما لم يأذن به الله .

ومن الصور التي برزت في هذا الزمان مما يعد نمطاً غير صحي في المجتمعات الإسلامية ظاهرة الفتاوى الشاذة ، الأمر الذي  يستوجب العلاج بعد معرفة الأسباب ، وكنا قد بينا في مقالتنا السابقة أهم الأسباب التي أدت إلى بروز الفتاوى الشاذة .. وها نحن نواصل المسيرة في عرض هذا الموضوع المهم لنقف على الآثار الخطيرة التي تنتج على ظاهرة الفتاوى الشاذة ، ثم بيان سبل علاجها . 

 % خطــرها

أ - على عامة الناس :

ينبغي على العالم أن يخاطب الناس بما يفهمون به حكم الله تعالى، ويبسط لهم حيثيات هذا جانب، ومن جانب آخر لا يخاطبهم بما يترتب عليه مفسدة أعظم من المصلحة التي تُرتجى من فتواه، فقد روى مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (ما أنت بمحدَّث قوماً حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة) .

فبالله عليكم لو قارنَّا مصلحة إحدى الفتاوى الشاذة والمثيرة للجماهير بالمفسدة المترتبة عليها؛ فهل تغلب المصلحةٌ المفسدةً أو العكس؟

 إن أردنا معرفة ذلك فلنجب على هذه الأسئلة المهمة، والتي ينبغي للعالم أن يستحضرها عند الإجابة على الأسئلة التي لها أحكام خاصة، أو التي لها فتاوى استثنائية للضرورة مثلاً أو غير ذلك ، فمن هذه الأسئلة:

- كم إنسان في عالمنا الإسلامي  يفتقر لفتواه الشاذة ؟

- وكم سامع للفتوى سيقبلها ؟

- وهل جمهور الناس أو السامعون لها مُؤهَّلون لفهم مثل هذه الفتاوى ؟

- وهل من المصلحة إطلاقها بهذا الشكل ؟ ...الخ.

 فمن استطاع أن يجيب على هذه الأسئلة فسيعرف مدى المفسدة المترتبة عليها.

 ب - صعوبة تداركها بعد انتشارها :

لا شك أن الفتوى إذا قال بها العالم -لاسيما في وسيلة إعلامية كالقنوات الفضائية- من الصعب جدًّا تداركها، فلا بد للعالم أن يحتاط لدينه كما عليه أيضاً أن يحتاط لدين الناس؛ لأن ما سيقع فيه الناس من آثام بسبب فتواه، قد تكون تبعاته عليه عظيمة عند الله عز وجل .

 ت - الأقلام المغرضة وترجيح المصلحة

ومما ينبغي للمفتي التنبه له: أن الساحة ليست خالية من مخالفين، وأحياناً من خصوم له ولمنهجه، وأن باب الحرية الذي دخل منه ليخاطب الجماهير سيدخل منه المخالف والخصم أيضاً؛ فينبغي له أن يفرّق بين حلقة العلم وبين مخاطبة الجمهور على اختلاف شرائحه وتوجهاته .

ولا ينسى أن من منهجه تحقيق المصلحة العظمى؛ وهي الحرص على هداية الناس، أنه بإطلاق مثل هذه الفتاوى قد ضيع (عنب الشام وبلح اليمن)؛ فهو قد فتح الباب لخصومه لانتقاد منهجه وليس فتواه فحسب، بل وزعزع شخصية العلماء في أعين العامة كما سيأتي ذكره .

ث - اتساع رقعة الجدل وإلهاء الأمة عن مصالحها  :

سئل الإمام الشافعي رحمه الله سؤالاً فسكت ولم يجب، فقيل له،‏ فقال:‏ «حتى أدري أن الفضل في السكوت أو في الجواب»؛ هكذا كان سلف الأمة يراعي قاعدة درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، وإنه من فضول القول أن نقول إنَّ مثل هذه الفتاوى تُدْخل الأمة في جدال كبير وخلاف مذموم، وفيها من السلبيات الشيء الكثير مما يفوّت عليها من المصالح أكثر من تلك المصلحة المرجوة من تلك الفتاوى، وتجلب من المفاسد أكثر من تلك التي أراد المفتي درؤها بفتواه .

ومما لا شك فيه أن من المصالح العظيمة التي تقع على عاتق العلماء هو جمع كلمة المسلمين، وتوحيد صفهم، ونبذ الفرقة والاختلاف كما جاء في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، فَلِم نغفل عن هذه المصلحة العظمى لأجل مسألة خلافية؟ بل في كثير من الأحيان تكون هذه الفتوى على خلاف ما أجمع عليه جماهير أهل العلم.

 فباب العذر للمفتي واسع، وله من الحرج الشرعي مندوحة، فما الدافع يا تُرى لإصرار بعض المفتين على إطلاق مثل هذه الفتاوى؟!!

ج - الإسهام في إضعاف مكانة العلماء أمام شرائح المجتمع وعدم الوثوق بهم .

ليعلم أصحاب الفتاوى الشَّاذة أن فتاويهم في بعض الأحيان معاول هدم لثقة الجماهير بالعلماء العدول؛ لأن من طبيعة الناس الوثوق بعامة أهل العلم، ويصعب عليهم في كثير من الأحيان تمييز مَنْ هو ثَبْتٌ في فتواه ممن هو على خلاف ذلك، فكثرة السماع للشَّاذ من الفتاوى تجعل عدالة أهل العلم محل شك لدى أفراد المجتمع،  فهل ترى أيها المفتي أنك أصبت بفتواك وحققت المصلحة التي كنت تظنها؟

 

% علاجهـا:

أ - الورع عن الفتوى في المسائل المُشْكِلةَ، والبعد عن التصدي لكل شاردة وواردة من غرائب الأسئلة، وليستحضر المفتي قوله صلى الله عليه وسلم (أَجْرَؤُكُم عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمُ عَلَى النَّارِ) كما استحضره سلف الأمة، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتورعون عن الفتيا، ويود كل منهم لو كفاه أخاه إياها كما ثبت ذلك عنهم بأسانيد صحيحة، منها ما ثبت عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: «لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتوى» رواه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه بسند صحيح، وروى الإمام ابن المبارك في الزهد بسند صحيح: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم -أُرًاه قال: في هذا المسجد- فما كان منهم مُحدّث إلا وَدَّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مُفْتٍ إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا»، وروى أيضاً بسند صحيح أن ابن عمر رضي الله عنها ، سُئل عن شيء، فقال : «لا أدري»، ثم أتبعها بأخرى، فقال: «أتريدون أن تجعلوا ظهورنا لكم جسوراً في جهنم، أن تقولوا أفتانا ابن عمر بهذا»، فإذا كان هذا هو منهج السلف فما بال البعض اليوم يتدافعون إليها، لا منها، وليس إلى الفتيا فحسب  بل إلى الغريب منها والشاذ.

 وقد وقفت كثيراً عند روايةٍ عن الإمام مالك وقد ذكرت شيئاً منها آنفا، ونصها (أنه ربما كان يُسأل عن خمسين مسألة -أي الإمام مالك- فلا يجيب في واحدة منها،‏ وكان يقول:‏ «من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه ثم يجيب»)، ولا أظن أَنّي مجازف إنْ قلت لو سئل بعض من يتصدر للإفتاء اليوم الخمسين نفسها التي سئلها مالك لأجاب عليها متكئاً على أريكته !!

ب -  إحالة الاستفتاءات المُشْكِلَة للمجامع الفقهية وهيئات ودور الإفتاء في عالمنا الإسلامي .

لا يكاد يخلو بلد عربي ولا مسلم، بل في كثير من دول العالم من وجود دار للإفتاء، فضلاً عن الهيئات والمجامع الفقهية. فكم هو لائق بالمفتي إنْ عُرضت عليه بعض الفتاوى المشكلة أن يحيلها إلى من هم أكثر علماً وأتقن في فن الفتوى، وليس هذا ببدع من القول، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو ثاني الخلفاء الراشدين وأحد العشر المبشرين بالجنة، ومنْ أوسع الصحابة فقهاً كان يدعو الصحابة لاستشارتهم  في بعض المسائل الفقهية، ومما يؤيد ذلك ما روي عن الشعبي والحسن وأبي حَصِين -وهم من التابعيين- أنهم انتقدوا بعض المتسرعين بالفتوى والمغترين بما معهم من العلم فقالوا:‏ «إن أحدَكَم ليفتي في المسألة، ولو وَرَدَتْ على عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر»، وما أشبه الليلة بالبارحة .

ج - وضع ميثاق لوسائل الإعلام الإسلامية منبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي .

فمع هذا الانفتاح الإعلامي الرهيب بين أقطار الأرض، وسرعة انتشار الخبر ينبغي حقيقة على وسائل الإعلام في البلاد الإسلامية وبالأخص ذات الطابع الجدَّيّ أن يكون لها ميثاق ينظّم ما يُعرض وما ينشر فيما يخص الإفتاء، وأن تضع ضوابط وحدوداً للاستفتاء والفتوى .

والجهة التي من الممكن أن تتبنى هذا الاقتراح هي منظمة المؤتمر الإسلامي؛ وذلك من خلال وضع قوانين لتنظيم هذه البرامج، لاسيما وأن لها تأثيراً كبيراً على الجماهير في البلاد الإسلامية، وأنها تُشكّل مَرْجعاً لكثير من شرائح المجتمع؛ فينبغي التنبه لذلك ووضع قوانين تنظم هذا النشاط الإعلامي .

د - الرجوع لتوصيات مؤتمر الإفتاء، والعمل بمقتضاها؛ حيث حوت على بنود جوهرية ودقيقة .

 من المناسب جدًّا أن نذكر هنا بعض التوصيات ذات الصلة والتي جاءت في المؤتمر الذي قامت به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة الكويت – مشكورة حيث كانت سباقة في رصد مثل هذه الظواهر – والذي عقد في عام 2007 تحت عنوان: «منهجية الإفتاء في عالم مفتوح.. الواقع الماثل والأمل المرتجى» فمن تلك التوصيات :

1- ضرورة تحقق المؤهلات العلمية الواجب توافرها في القائم بأمور الإفتاء؛ كالعلم بالقرآن والسنة، ومواطن الإجماع، والمعرفة التامة بقواعد الاستنباط، مع ملازمة التقوى.

2- مراعاة المفتي للجانب التربوي والتعليمي عند إجابته عن أسئلة المستفتين.

3- لا تعتبر الفتوى الصادرة عن أي جهة كانت صحيحة إلا إذا اعتمدت على دليل شرعي معتبر، وكانت متسقة مع المقاصد الشرعية.

4- أن تكون الفتوى القائمة على الضرورة فيما يخص الأمة صادرة عناجتهاد جماعي، دون أن ينفرد بها آحاد الفقهاء والمفتين، إلا أن تكون الضرورة مما لا يُختلف فيها.

5- ألا تعمَّم الفتوى الخاصة المبنية على أساس الضرورة على جميع الأحوال والأزمان والأشخاص؛ إذ إن الضرورة تُقدَّر بقدرها.

 6- على الجهات الشرعية المعنية في كل بلد الإشراف على المفتين فيها، والعمل على تحسين أدائهم، واتخاذ الأساليب المناسبة لمعالجة أوضاع من يتصدى للفتوى من غير أهلها.

7- دعوة معدِّي ومقدِّمي البرامج الدينية، ومحرِّري الشئون الإسلامية، في الصحف والمجلات وسائر وسائل الإعلام الأخرى، إلى ضرورة الاستعانة بعلماء الشرع الموثوقين، للإشراف على برامجهم، وعدم فتح الباب أمام غير المؤهلين للعبث بها تحقيقا للتعاون المثمر بين الجهات العلمية والجهات الإعلامية.

% الخاتمة :

بعد هذا العرض الموجز لرؤيتي حول أسباب وحلول ظاهرة الفتاوى الشاذة، بقيت كلمة أهمس بها في أذن كل طالب علم  يتطلع لخدمة أمته بما ينفعها، أقول له:

لا شك أن الأمة بحاجة ماسة لكل شبابها كلٌ فيما يخصه ، وما تخصصت به أنت أكبر بكثير من أن تلقط كل شاذ من الفتاوى وتبثه، وتصطاد كل شارد من القول فتزيد عليه وتنقص ثم تحسب أنك أتيت بما لم يأت به الأول  .

قد رشحوك لأمر لو فطنت له   ***    فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

إن ثَمَّة ملفات للأمة بحاجة لمن يدرسها ويقدم حلولاً ناجعة لها، فلدينا من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والتربوية ما تفتقر لدرسات شرعية تطرح حلولاً لها .

بل ولدينا فئات من المجتمع تعاني من سوء فهم لمعنى التدين، وهي ضائعة بين الإفراط والتفريط؛ نحتاج أيضاً مَنْ يقدم لها برامج شرعية لمعالجة هذا الفهم الخاطئ لمفهوم التدين  ... الخ

وكلمة أخيرة لمن لا يتورع عن الإفتاء بما يخالف به جموع المسلمين عبر وسائل الإعلام – خاصة - من غير مصلحة عامة تذكر، أذكرك بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن لله تبارك وتعالى خزائن للخير والشر مفاتيحها الرجال، فطوبي لمن كان مفتاحا للخير مغلاقا للشر وويل لمن جعله مغلاقا للخير مفتاحا للشر) كتاب السنة 296 ، ورواه ابن ماجه بلفظ آخر.

هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

 

بقلــم/

تركي عيسى المطيري

مدير إدارة الإفتاء

 
عدد القراء : 6056