باب الفوات والإحصار
 
أولاً : الفـــوات :
1) معنى الفوات :
الفوات : إذا سُبق فلم يُدرك ؛ والمقصود به هنا من فاته الوقوف بعرفة ولم يدركه قبل طلوع فجر يوم النحر.
2) ­حكم من فاته الوقوف بعرفة :
- من طلع عليه فجر يوم النحر – وهو اليوم العاشر من ذي الحجة – ولم يكن وقف بعرفة ، فقد فاته الحج إجماعاً ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (الحَجُّ عَرَفَةُ ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ...) [رواه أحمد وأصحاب السنن ، بسند صحيح]. وقال جابر رضي الله عنه : (لاَ يَفُوتُ الحَجُّ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ) [رواه البيهقي] .
- ولا فرق في حكم الفوات بين من فاته الوقوف لعذر أو لغير عذر؛ لما روى سليمان بن يسار (أَنَّ هَبَّارَ بنَ الْأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! أَخْطَأْنَا الْعِدَّةَ كُنَّا نَرَى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ ، فَقَالَ عُمَرُ : اذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ ، وَانْحَرُوا هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ ، ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا وَارْجِعُوا ، فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا وَأَهْدُوا ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ) [رواه مالك في الموطأ] .
3) ما يترتب على من فاته الوقوف بعرفة :
أ ) ينقلب إحرامه من حج إلى عمرة يتحلل بها ؛ فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر ؛ لما روى سليمان بن يسار (أنَّ أبا أيوبَ الأنصاريَّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ خرجَ حَاجًّا ، حتَّى إذا كان بالنَّازِيَةِ مِن طَريقِ مَكَّةَ أَضَلَّ رَواحِلَهُ ،وإنّه قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ يَوْمَ النَّحْرِ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : اصْنَعْ ما يَصْنَعُ المُعْتَمِرُ ، ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ ، فَإِذَا أَدْرَكَكَ الحَجُّ قَابِلاً فاحْجُجْ ، وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ) [رواه مالك في الموطأ].
إلا أن هذه العمرة لا تجزئ عن عمرة الإسلام ؛ لأنه لم ينوها في ابتداء إحرامه فلم تقع عنها .
ب) يلزمه دم ، وهو ذبح شاة ؛ لأن عمر رضي الله عنه أمر أبا أيوب وهبَّار بن الأسود أن ينحرا هدياً لقاء ما فاتهما من الوقوف بعرفة .
- يجب الهدي من حين الفوات ، إلا أن إخراجه يكون في سَنَةِ القَضَاءِ .
- إن كان المُحرِم قد ساق معه الهدي ، نحره ، إلا أنه لا يجزئه عن هدي القضاء ، فيلزمه في سنة القضاء هدي أيضاً ؛ لأن عمر رضي الله عنه أمر هبَّار بن الأسود أن ينحر هديه الذي ساقه معه ، ثم إذا كان في العام القابل أمره أن يهدي بعد القضاء .
ج) يلزمه القضاء في العام القابل بحسب استطاعته ؛ لأن عمر رضي الله عنه أمر أبا أيوب وهبَّار بن الأسود أن يقضوا حجهم من العام القابل .
4) الخطأ في تحديد يوم عرفة :
إذا أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة ظناً منهم أنه يوم عرفة ، أجزأهم ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (يَوْم عَرَفَة الْيَوْم الَّذِي يَعْرِفُ النَّاس فِيهِ) [رواه الدارقطني وأبو داود في المراسيل ، وجوَّده البيهقي]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّون) [رواه أبو داود والترمذي] .
أما إن كان الخطأ من بعض الناس ، فلا يجزئهم ، ويلزمهم القضاء والهدي ؛ لأن عمر رضي الله عنه لم يعذر هبار بن الأسود في خطئه حين قال له : (أَخْطَأْنَا الْعِدَّةَ كُنَّا نَرَى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ)، وأمره بالقضاء والهدي .
ثانياً : الإحصــــار .
1) معنى الإحصار :
الإحصار : هو الحبس والمنع لسبب ؛ وهو أن يُحبَس أو يُمنع المُحرِم عن إتمام أركان الحج أو العمرة لسبب كعدوٍّ أو مرضٍ أو حقِّ الغير .
2) أحكام المُحْصَر :
- إذا صُدَّ المُحرِم عن إكمال نسكه ولم يجد طريقاً آمناً ، حتى فاته الوقوف بعرفة ، فله حكم الفوات ؛ فيتحلل بعمرة ويلزمه دمٌ وقضاء نسكه من العام القابل .
- فإن أمكنه الوصول من طريق أخرى آمنة لم يبح له التحلل ، ولزمه سلوك ذلك الطريق ولو كانت بعيدة أو خشي الفوات .
- إذا صُدِّ عن الوقوف بعرفة فتحلَّل قبل فوات يوم عرفة، فلا قضاء عليه، وعليه ذبح هدي يتحلل به؛ لقول الله تعالى : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] .
- إذا حُصِر المحرم عن البيت ، ولو بعد الوقوف بعرفة ، فيلزمه ذبح هدي ينوي به التحلل ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾، ولما ثبت من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ) [رواه البخاري] .
- ولا يتحلل المحصَر إلا بعد أن ينحر الهدي ؛ لما ثبت عن المسور (أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ) [رواه البخاري] .
- ينحر المحصر الهدي في المكان الذي أحصر فيه سواء كان في الحل أو في الحرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحروا هديهم في الحديبية وهي من الحل .
- إذا لم يقدر المحصَر على الهدي ، فعليه صيام عشرة أيام بنية التحلل ؛ قياساً على من لم يجد الهدي في حج التمتع، إلا أنه لا يتحلل إلا بعد إتمام صيام العشرة ، قياساً على عدم تحلله إلا بعد نحر الهدي .
- إذا حُصِرَ المحرِم عن طواف الإفاضة فقط ، وكان قد رمى وحلق ، فليس له أن يتحلل حتى يطوف بالبيت ؛ لما ثبت عن ابن عمر أنه قال : (مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) [رواه مالك والشافعي] ، ولأن طواف الإفاضة لا وقت له ، والإحرام فيه إنما هو عن النساء فقط ، أما التحلل الذي ورد الشرع به فهو من الإحرام التام الذي يحرم جميع محظوراته. فمتى زال الحصر أتى بالطواف وتم حجه .
3) الاشتراط في الإحرام :
إذا اشترط المحرم في ابتداء إحرامه أنَّ « مَحِلِّي حَيثُ حَبَسْتَنِي» ، أو قال : «إِن مَرِضْتُ ، أو عَجَزتُ ، أو ذَهَبت نَفَقَتي ، فَلِيَ أن أَحِلَّ»، جاز له أن يتحلل إذ وقع ما اشترطه ، متى شاء ولا هدي عليه ولا قضاء ؛ لما ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : (دَخَلَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهَا : لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ؟ قَالَتْ : وَالله لَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً . فَقَالَ لَهَا : حُجِّي وَاشْتَرِطِي وَقُولِي اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي) [رواه البخاري ومسلم] .
4) الإحصار عن أداء الواجبات :
إذا أحصر المحرم عن أداء الواجبات ؛ كرمي الجمار ، وطواف الوداع ، والمبيت بمزدلفة ، فليس له أن يتحلل من إحرامه ؛ لأن ترك الواجب لا يترتب عليه صحة الحج ، وإذا فاته وجب فيه دم .
 
عدد القراء : 6896