فصـــــل في صيد الحَـرَم ونباته
 
1) تحريم صيد الحرم :
أ – يحرم الصيد في حرم مكة على المُحْرِم والمُحِلِّ بالإجماع ؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلي وَلَا لأَحَدٍ بَعْدِي ، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، لا يُخْتَلَى خَلَاهَا ، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ) [رواه البخاري].
ومن أتلف شيئاً من صيد الحرم سواء بالمباشرة أو بالدلالة أو بالإشارة ، فحكمه حكم صيد المُحْرم من حيث لزوم جزاء المثل فيما له مثل ، أو القيمة فيما لا نظير له ولا مثل ؛ وذلك لأن الصحابة رضي الله عنهم قضوا في حمام الحرم بشاة ؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما : (أَنَّهُ قَضَى في حَمَامَةٍ مِنْ حَمَامِ مَكَّةَ بِشَاةٍ) [رواه البيهقي] .
2) تحريم قطع نبات الحرم وحشيشه :
يحرم على المُحْرِم والمُحِلِّ قطع شجر الحَرَم وحَشيشه الرَّطب الذي لم يزرعه الآدمي ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس : (ولَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ، وَلا يُخْتَلَى خَلاهَا) [رواه البخاري].
فقوله (لا يُعضَد شجرها) أي : لا يقطع ، وقوله : (لا يختلى خَلاها) الخَلا : الرَّطب من الحشيش ، والمعنى : لا يُجزُّ الحشيش ولا يقطع .
فمن أتلف شيئاً من شجر الحرم أو نباته فعليه ضمانه ؛ الشجر الصغير – عُرفاً – فيه شاة ، والكبير فيه بقرة ؛ لما روي عن ابن الزبير رضي الله عنهما قال : (في الدُّوحَةِ بَقَرَةٌ ، وَفي الجَزْلَةِ شَاةٌ) [ذكره الشافعي في الأم ولم يسنده] . و(الدوحة) : الشجرة العظيمة ، و(الجزلة) : قطعة كبيرة من شجرة .
أما الحشيش والورق فيُضمن بقيمته ؛ لأنه مُتقوَّم .
3) ما يباح قتله من الحيوان في الحرم :
أ - يباح في الحَرَم قتل خمس من الدَّواب ؛ وهي الواردة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (خَمْسٌ لا جناح على من قتلهُنَّ في الحَرَمِ والإِحْرَامِ: الْفَارَةُ ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ ) [رواه مسلم] . و(الحِدَأة) : نوع من الطيور الجوارح ينقض على الجرذان والدواجن والأطعمة .
ب- ويباح قتل الحيَّة ؛ لحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ وَالحَرَمِ : الحَيَّةُ ، وَالغُرَابُ الأَبْقَعُ ...) [رواه مسلم].
ج- ويباح قتل كل مؤذن من الحيوان ؛ كسباع البهائم والطير والمستخبث من الحشرات ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ) ؛ حيث دل وصف الفسق على إباحة قتل كل ما فيه هذه الصفة . والمراد بـ (الفسق) هنا : هو كل ما من طبعه الإيذاء أو الفساد .
د - ويباح من الحيوان ما ليس وحشيًّا ؛ كبهيمة الأنعام والخيل والدجاج ، بالإجماع. ولقول الله تعالى : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة:96] ، فدلت الآية على تحريم صيد الوحشي من الحيوان بالنص ، وإباحة غير الوحشي بالمفهوم .
4) ما يباح قطعه من نبات الحرم :
يباح من نبات في الحرم :
أ ) اليابس : فيجوز قطع اليابس من الشجر والحشيش ؛ لأنه بمنزلة الميت . كما يجوز الانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقلع من الشجر بفعل غير الآدمي .
ب) ما زرعه الآدمي : كالبقول والزروع والرياحين ، فيباح أخذه ؛ لأن في تحريمه ضرراً على من زرعه ، وقد جرى عمل المسلمين على أخذه والانتفاع بكل ما زرعه الآدمي .
ج) الإِذْخِر : وهو حشيشة طيبة الرائحة تُسقَّف بها البيوت فوق الخشب ، وقد استثناها الشرع من التحريم كما في حديث ابن عباس – السابق - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا يُخْتَلَى خَلَاهَا ، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَّا الْإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ إِلَّا الْإِذْخِرَ) . فأبيح لحاجة الناس إليه في بنائهم وقبورهم .
5) ما يجزئ من بهيمة الأنعام في الدم الواجب :
- الدم الواجب : هو ما يترتب على الحاج أو المعتمر من فدية بسبب ارتكابه محظوراً من محظورات الإحرام ، أو جزاء الصيد ، أو الإحصار .
- ولا يكون الدم الواجب إلا من بهيمة الأنعام ، وهي : الإبل والبقر والغنم .
- ويجزئه أن يخرج الفدية من أي نوع من بهيمة الأنعام ، على النحو التالي :
أ – يجزئ إخراج بقرة بدلاً عن بدنة ، ويجزئه إخراج بدنة بدلاً عن بقرة ؛ لما ثبت من حديث جابر رضي الله عنه قال : (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْتَرِكَ في الإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا في بَدَنَةٍ) [رواه مسلم] . حيث جعل البقر مساوياً للإبل من حيث إجزاء كل منهما عن سبعة ، فدل ذلك على أن إحداهما تجزئ عن الأخرى .
ب- ويجزئ إخراج بدنة أو بقرة عن سَبْع شياه مطلقاً ؛ سواء وجد الشياه أو لم يجدها ، و إخراج سُبْع بدنة أو سُبْع بقرة عن شاة ، لحديث جابر السابق ، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما : (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّ عَلَيَّ بَدَنَةً وَأَنَا مُوسِرٌ لَهَا وَلَا أَجِدُهَا فَأَشْتَرِيَهَا ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبْتَاعَ سَبْعَ شِيَاهٍ فَيَذْبَحَهُنَّ) [رواه أحمد وابن ماجه، بإسناد ضعيف].
6) المقصود بالدم الواجب عند الإطلاق :
المراد بالدم الواجب عند الإطلاق : ما يجزئ في الأضحية ؛ وهو الجَذَعُ من الضأن ، أو الثَّنِيُّ من المعز ، أو سُبْع بدنة أو سُبْع بقرة ؛ لقول الله تعالى : ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة:196] قال ابن عباس في تفسير الهدي: «جَزُورٌ أَو بَقَرَةٌ أَو شَاةٌ أَو شِرْكٌ في دَمٍ » [رواه البخاري وأحمد] .
7) الأفضل في الدماء الواجبة :
ذبح البدنة أو البقرة أفضل من ذبح الشاة ؛ لأنهما أكثر لحماً وأنفع للفقراء . فإن اختار ذبح البدنة أو البقرة وجبت كلها ؛ لأنه اختار الأعلى لأداء فرضه ، فكان واجباً كله .
 
 
عدد القراء : 8492