باب محظورات الإحرام
 
1) تعريفُها:
محظوراتُ الإحرامِ: هي الأشياءُ الّتي يحرمُ على المحرمِ فعلُها شرعاً.
2) أقسامُ المحظوراتِ:
هي تسعةُ أشياءَ:
أحدُها: تَعمُّدُ لُبسِ المخيطِ على الرّجالِ حتّى الخُفّينِ أو القُفّازينِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ رضي اللهُ عنهما قال: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ قَالَ: ( لاَ يَلْبَسُ المُحْرِمُ الْقَمِيصَ، وَلاَ الْعِمَامَةَ، وَلاَ الْبُرْنُسَ، وَلاَ السَّرَاوِيلَ، وَلاَ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلاَ زَعْفَرَانٌ، وَلاَ الخُفَّيْنِ إِلاَّ أَنْ لاَ يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا؛ حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ) [متفق عليه]. ويلحقُ بهذهِ الأشياءِ ما في معناها مما يحيطُ بالبدنِ أو ببعضِهِ؛ مثلُ: الجُبّةِ، والدَّرَّاعةِ، والتُّبانِ، ونحوِ ذلك. وإذا لم يجدِ المحرمُ إزاراً فلهُ لُبسُ السّراويلِ، وإذا لم يجدِ نَعلينِ فلهُ لُبسُ الخُفّينِ، وإذا لبِسهما لا يقطعُهما ولا فديةَ عليهِ؛ لحديثِ ابنِ عبّاسٍ رضي اللهُ عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يَخطُبُ بعَرَفاتٍ: (مَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ؛ لِلْمُحْرِمِ ) [متفق عليه].
وفي روايةٍ عن الإمامِ أحمدَ: أنّه يقطعُهما حتّى يكونَا أسفلَ من الكعبينِ؛ لقولِهِ صلى الله عليه وسلم في ابنِ عمرَ السّابقِ: ( فَلْيَقْطَعْهُمَا؛ حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ).
الثّاني: تَعمُّدُ تغطيةِ الرّأسِ من الرّجلِ؛ ولو كانتِ التّغطيةُ بحِنّاءٍ ونحوِها، أو استظلالٍ بمَحمَلٍ(وهو المظلّةُ) ؛ لقولِه صلى الله عليه وسلم في المُحرمِ الّذِي وقَصَتهُ -كسرَتْ عنقَهُ- ناقتُه: (وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» [متفق عليه]، ولقولِ ابنِ عمر t : « أَضْحِ لِمَنْ أَحْرَمْتَ لَهُ » [رواه البيهقيُّ]؛ أي: ابرُزْ للشّمسِ.
وفي روايةٍ عنِ الإمامِ أحمدَ: أنّه يجوز له الاستظلالُ بالمحمَلِ؛ كما يجوزُ له الاستظلالُ بالخيمةِ، والثّوبِ على عودٍ أو شجرةٍ؛ لحديثِ جابر t في صفةِ حجّتِهِ r، وفيه: ( وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ ) [رواه مسلم]، وحديثِ أُمِّ الْحُصَيْنِ رضي اللهُ عنها قالت: (حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ؛ فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلاَلاً وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَالآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ؛ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ [رواه مسلم]. وإنْ حملَ المُحرمُ على رأسِهِ طبقاً، أو وضع يدَهُ عليهِ؛ فلا بأسَ بذلك؛ لأنّه لا يُقصدُ به السَّترُ.
كما يحرمُ تعمُّدُ تغطيةِ الوجهِ من الأُنثى بنقابٍ وغيرِهِ؛ لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَr: ( لَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ ) [رواه البخاري].
ولكنْ يجوزُ لها أن تسدلَ على وجهِها للحاجةِ -كمرورٍ رجالٍ بها-؛ لقولِ فاطمةَ بنتِ المنذرِ: (كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) [رواه مالك]، ولا يضرُّ لَمسُ المسدولِ لوجهِها.
الثّالثُ: قصدُ شمِّ الطِّيبِ، أو مسِّ ما يعلَقُ منه بالممسوسِ، أواستعمالِه في أكلٍ أوشربٍ؛ بحيثُ يظهرُ طعمُه أو ريحُه؛ لقولِه صلى الله عليه وسلم في الّذِي وقَصَتهُ ناقتُه: ( وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ ) [متّفق عليه].
كما لا يجوزُ له لُبسُ ثوبٍ مطيّبٍ؛ لقولِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم: ( لَا يَلْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ ) [متفق عليه].
فمنْ لبِس أو تطيّبَ أو غطَّى رأسَه ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً؛ فلا شيءَ عليهِ؛ لقولِه صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ) [رواه ابن ماجه].
ومتى زالَ عُذرُه؛ بأن ذكرَ النّاسي، أو علمَ الجاهلُ، أو زالَ الإكراهُ: وجب عليهِ إزالةُ المحظورِ في الحالِ، وإلّا وجبتْ عليهِ الفديةُ؛ لاستدامتِهِ المحظورَ من غيرِ عُذرٍ.
الرابعُ: إزالةُ الشَّعرِ من جميعِ البدنِ بحلقٍ أو بغيرِهِ، ولوْ من الأنفِ؛ لقولِه عز وجل: ﴿ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ [البقرة: 196]؛ فنصَّتِ الآيةُ على حلقِ شعرِ الرّأسِ، وأُلحقَ بهِ سائرُ شعرِ البدنِ.
الخامسُ: تقليمُ الأظفارِ من يدٍ أو رجلٍ بلا عُذرٍ؛ للإجماعِ على تحريمِ ذلكِ؛ فإنِ انكسَر فلهُ إزالتُه.
السّادسُ: قتلُ صيدِ البرِّ الوحشيِّ المأكولِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قولِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ [المائدة:96].
وتحرمُ على المحرمِ الدِّلالةُ على الصّيدِ، والإعانةُ على قتلِهِ؛ لحديث أبي قتادة رضي الله عنه؛ حيثُ اصطادَ حماراً وحشيًّا ولم يكنْ محرماً؛ فخشي الصّحابةُ الّذين كانوا محرمينَ حُرمةَ أكلِها؛ فلمّا سألُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: ( أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا! قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لـَحْمِهَا ) [متفق عليه].
ويحرمُ عليهِ إفسادُ بيضِ الحيوانِ الوحشيِّ؛ لما رواهُ عكرمةُ ابنِ عبّاسٍ رضي اللهُ عنهما أنّه قال: (في بَيْضِ النَّعَامِ يُصيبُهُ المُحْرِمُ ثَمَنُهُ » [رواه عبد الرّزاق].
ويحرمُ عليهِ قتلُ الجَرادِ، والقَمْلِ؛ لأنّ الجرادَ طيرٌ بريٌّ؛ فأشبَهَ العصافيرَ. والقمْلَ يُترفَّهُ بإزالتِهِ كإزالةِ الشّعرِ. ولا يحرمُ على المحرمِ قتلُ البراغيثِ ونحوِها؛ بل يُسنُّ قتلُ كلِّ مُؤذٍ مطلقاً في الحرمِ والإحرامِ، ولا جزاءَ فيهِ؛ لحديثِ عائشةَ رضي اللهُ عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالحُدَيَّا، وَالْغُرَابُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ » [متّفق عليه]. والعَقورُ: ما يَعْقِرُ: أي يجْرحُ ويَقْتُلُ؛ كالأسدِ، والنّمرِ، والذِّئبِ.
السّابعُ: عقدُ النِّكاحِ؛ فلا يتزّوجُ المحرمُ، ولا يزوِّجُ غيرَهُ، ولا تُزوَّجُ المحرمةُ، ولا يصحُّ النِّكاحُ في شيءٍ من ذلكَ؛ لقولِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ( لاَ يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلاَ يُنْكَحُ وَلاَ يَخْطُبُ ) [رواه مسلم]، وعن أبي غطفانَ عن أبيهِ: (أَنّ عُمَرَ فَرّقَ بَيْنَهُمَا؛ يَعْنِي رَجُلًا تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ) [رواه مالك، والدارقطنيُّ، واللفظُ له].
الثّامنُ: وهو المحظورُ الوحيدُ الّذي يفسدُ به الحجُّ؛ وهو الوطءُ فِي الفرجِ؛ لقول الله عز وجل: ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ ﴾ [البقرة: 197]. قال ابنُ عبّاسٍ رضي الله عنهما: « الرَّفَثُ: الجِمَاعُ » [رواه البخاريُّ معلّقاً،ووصله ابنُ أبي شيبة وغيرُه].
التّاسعُ: المباشرةُ فيما دون الفرجِ، ودواعي الجماعِ، والاستمناءُ؛ فإنْ لمْ يُنزلْ لمْ يفسدْ حجُّهُ.
وإنْ أنزلَ فعليهِ بَدَنةٌ، ولا يفسُدُ حجُّهُ في المذهبِ؛ لأنّه استمتاعٌ لا يجبُ بنوعِهِ الحدُّ؛ فلمْ يُفسدِ الحجَّ؛ كما لوْ لمْ يُنزلْ.
3) جزاءُ المحظوراتِ:
يجبُ في جميعِ المحظوراتِ المتقدِّمةِ الفديةُ إلا قتلَ القملِ؛ لما رواهُ سالمٌ عن أبيهِ: (أَنَّ رَجُلاً أَتَاهُ فَقَالَ : إِنِّي قَتَلْتُ قَمْلَةً وَأَنَا مُحْرِمٌ؛ فقال ابنُ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَهْوَنُ قَتِيلٍ »، وإلاّ عقدَ النِّكاحِ؛ لأنّه عقدٌ فسدَ لأجلِ الإحرامِ؛ فلمْ تجبْ بهِ الفديةُ؛ كشراءِ الصّيدِ.
- وفي البَيضِ والجرادِ: قيمتُه مكانَ الإتلافِ؛ لما تقدّمَ عنِ ابنِ عبّاسٍ رضي اللهُ عنهما في بيضِ النّعامِ، ولقولِ عمرَ رضي الله عنه لكعبٍ الأحبار حين أخذَ جَرادَتينِ فشَوَاهُما وهو محرمٌ: (مَا جَعَلْتَ فِي نَفْسِكَ؟ قَالَ : دِرْهَمَيْنِ. قَالَ: بَخٍ! دِرْهَمَانِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ جَرَادَةٍ؛ اجْعَلْ مَا جَعَلْتَ فِي نَفْسِكَ) [رواه الشّافعيُّ، والبيهقيُّ، واللّفظُ له].
- وفي الشَّعرةِ الواحدةِ أو الظُّفرِ الواحدِ: إطعامُ مسكينٍ، وفي الاثنينِ: إطعامُ مسكينينِ اثنينِ؛ لأنّ أقلَّ ما يجبُ هو المُدُّ، وهو طعامُ مسكينٍ.
- والضروراتُ تُبيحُ للمُحرمِ المحظُوراتِ؛ ويفدي إذا فعلَها؛ لحديثِ كعبِ بنِ عُجرةَ رضي الله عنه : (أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ يَتَهَافَتُ قَمْلاً؛ فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَاحْلِقْ رَأْسَكَ. قَالَ: فَفِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾؛ فَقَالَ لِي رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ : صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ مَا تَيَسرَ» [متّفق عليه]. والفَرَقُ: مِكيالٌ معروفٌ؛ يسعُ ثلاثةَ آصعٍ.
 
 
عدد القراء : 3156