فصل في شُروطِ وجوبِ الصّومِ، وشُروطِ صحّتِه، وفرائضِهِ، وسننِهِ
 
أوّلاً: شروطُ وجوبِ الصومِ:
شُروطُ وجوبِ الصّومِ أربعةُ أشياءَ:
1- الإسلامُ: لأنّ الله تعالى كتبَه على المسلمين؛ بقوله عز وجل: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ( [البقرة: 183]؛ فلا يجبُ على كافرٍ بحالٍ، ولو أسلمَ في أثناءِ الشّهرِ لمْ يلزمْهُ قضاءُ الأيّامِ السّابقةِ لإسلامِهِ.
2- البلوغُ: لقولِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم : « رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ » [رواه الأربعةُ، واللّفظُ لأبي داود]؛ فلا يجبُ الصّومُ على منْ لمْ يبلغْ.
3- العقلُ: فلا يجبُ الصّومُ على مجنونٍ؛ لقولِه صلى الله عليه وسلم في الحديثِ السّابقِ: «وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» .
4- القدرةُ على الصّيامِ: فلا يجبُ الصيامُ على من لا يقدرُ عليهِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ) لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ( [البقرة: 286].
ومنْ عجزَ عنِ الصِّيامِ لكِبَرٍ أو مرضٍ لا يُرجى زوالُه: أفطرَ وأطعمَ عنْ كلِّ يومٍ مسكيناً مُدَّ بُرٍّ أو نصفَ صاعٍ منْ غيرِ البُرِّ؛ لما رواهُ عطاء عن ابنِ عبّاسٍ رضي اللهُ عنهما - في قوله تعالى : ) وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ( [البقرة: 184]-: « لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ؛ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا؛ فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا » [رواه البخاري]. وروى مجاهدٌ عنه أنّه قال في تفسير هذه الآيةِ : « هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ؛ فَيُفْطِرُ وَيُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيناً؛ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ »، وروى عكرمةُ عن ابنِ عبّاسٍ أيضاً قال : « إِذَا عَجَزَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ عَنِ الصِّيَامِ أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا مُدًّا » [رواهما الدارقطنيُّ، وصحّحهما]. والحنطةُ: القمحُ. والمدُّ: حفنةٌ بكفَّي الرّجلِ المعتدلِ الكفّينِ.
والمريضُ غيرُ المأيوسِ من بُرئِهِ إذا خافَ من صومِهِ ضرراً -كزيادةِ المرضِ أو طولِه-، أو كان صحيحاً فمرِضَ في يومِهِ، أو خافَ مرضاً لأجلِ عطشٍ أو غيرِه: سُنَّ له الفطرُ، وكُرهَ له الصومُ وإتمامُه؛ لقولِه تعالى: ) فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ( [البقرة: 184]؛ أي: فليُفطرْ، وليقضِ عددَ ما أفطرَ.
فإنْ صامَ المريضُ مع ما سبقَ: أجزأَهُ صومُه؛ لصدُورِه من أهلِه في محلِّهِ؛ كما لو أتمَّ المسافرُ.
ولا يفطرُ المريضُ الّذي لا يتضرّرُ بالصومِ؛ كمنْ بهِ جرَبٌ،أو وجعُ ضِرسٍ أو أصبعٍ، ونحوِه.
ثانياً: شروطُ صحّةِ الصّومِ:
شروطُ صحّةِ الصّومِ ستّةٌ:
1- الإسلامُ: فلا يصحُّ من كافرٍ؛ لأنّ منْ شرطِ قَبولِ العملِ الإسلامَ؛ قال الله تعالى: ) وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ ( [التوبة:54].
2- انقطاعُ دمِ الحيضِ: لأنّ الحائضَ يحرُمُ عليها الصّومُ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : «أَلَيْسَ إِحْدَاكُنَّ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تَصُمْ وَلَمْ تُصَلِّ؟ قُلْنَ: بَلَى» [متّفق عليه].
3- انقطاعُ دمِ النِّفاسِ: لأنّه يحرم بسبب النِّفاس جميعُ ما يحرُمُ بسببِ الحيضِ؛ كما تقدّمَ في بابِه.
4- التّمييزُ: فيجبُ على وليِّ المميّزِ المطيقِ للصّومِ أمرُه به لسبعِ سنينَ، وضربُه عليه لعشرٍ ليعتادَهُ؛ قياساً على الصّلاةِ.
5- العقلُ: لأنّ حقيقةَ الصّومِ الإمساكُ عن المفطّراتِ مع النيّةِ؛ لقولهِ سبحانه في الحديثِ القدسيّ: « يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» [متّفق عليه، واللّفظ للبخاريّ]؛ فأضافَ تركَ المفطّراتِ إليه، والمجنونُ لا يُضافُ الإمساكُ إليهِ؛ فلمْ يجزِئه.
لكنْ لو نَوى العاقلُ ليلاً، ثمّ جُنَّ أو أُغميَ عليه جميعَ النَّهارِ، وأفاقَ منهُ جزءاً قليلاً: صحَّ صومُه؛ لوجودِ الإمساكِ فِي جُزءٍ من النّهارِ؛ كما لو نامَ بقيّةَ النّهارِ.
6- النِّيّةُ منَ اللّيلِ لكلِّ يومٍ في صومٍ واجبٍ :-سواءً كانَ واجباً بأصلِ الشّرعِ، أو أوجبَهُ الإنسانُ على نفسِهِ؛ كالنّذرِ-؛ لحديثِ حفصةَ رضي اللهُ عنها مرفوعاً: « مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ » [رواه الأربعةُ].
* فروعٌ تتعلّق بالنيّة:
أ- مَنْ خطَرَ بقلبِهِ -من غيرِ تردُّدٍ- ليلاً أنّه يصومُ غداً، أو أكلَ وشربَ بنيّةِ الصومِ؛ فقد نَوى؛ لأنّ النّيّةَ محلُّها القلبُ.
ب- لا يَضرُّ إنْ أتّى بعدَ النيّةِ بمنافٍ للصّومِ -من أكلٍ وشربٍ وجماعٍ وغيرِها-؛ لأنّ اللهَ عز وجل أباحَ الأكلَ إلى آخرِ اللّيلِ؛ فلو بطلتِ النّيّةُ بهِ لفاتَ محلُّها.
ج- لا يضرُّ أيضاً إنْ قالَ: « غداً أصومُ إنْ شاءَ اللهُ » غيرَ متردِّدٍ؛ كما لا يفسدُ إيمانُه بقولِه: «أنا مؤمنٌ إنْ شاءَ اللهُ »؛ فإنْ قصدَ بالمشيئةِ الشَّكَّ أو التّردُّدَ في العزمِ والقصدِ: فسدتْ نيّتُه؛ لعدمِ الجزمِ بها.
د- لا يضرُّ لو قالَ ليلةَ الثّلاثينَ منْ رمضانَ: « إنْ كانَ غداً منْ رمضانَ فهو فَرْضي، وإلاَّ فأنا مفطرٌ »، وبانَ أنّه من رمضانَ، ويجزئُه؛ لأنّه بنى على أصلٍ لم يثبتْ زوالُه؛ وهو بقاءُ الشَّهرِ؛ فلا يضرُّ التردُّدُ في النيّةِ.
ويضرُّ إنْ قالَ ذلك في أوّلِ رمضانَ-ليلةَ الثّلاثينَ من شعبانَ-، ولا يجزئُه؛ لأنّه ليس هناك أصلٌ ينبني عليهِ.
ثالثاً: فرائضُ الصّومِ:
فرضُ الصِّيامِ سواءً كان فرضاً أو نفلاً-: الإمساكُ عنْ جميعِ المفطِّراتِ منْ طلوعِ الفجرِ الثّانِي إلى غروبِ الشّمسِ؛ لقول الله عز وجل: ) وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ( [البقرة: 187]، وحديثِ عمر رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ » [متفق عليه].
رابعاً: سننُ الصّيامِ:
سننُ الصِّيامِ ستّةٌ:
1- تعجيلُ الفطرِ إذا تحقّقَ الغروبُ؛ لحديثِ سهلِ بنِ سعدٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَـالَ: « لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ » [متّفق عليه].
ويباحُ له الفطرُ إذا غلبَ على ظنِّه غروبُ الشّمسِ؛ لحديثِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ الصدِّيقِ رضي الله عنها قالت: « أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ » [رواه البخاري]. ويحرمُ فطرُه مع شكِّهِ في الغروبِ؛ فإن أفطرَ لزِمَه القضاءُ.
والفطرُ قبلَ صلاةِ المغربِ أفضلُ؛ لقولِ أنسٍ رضي الله عنه: « كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ قَبْلَ أَن يُّصَلِّيَ ...» [رواه أبو داود والتّرمذي].
2- تأخيرُ السُّحورِ ما لمْ يخشَ طلوعَ الفجرِ الثّانِي؛ لحديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ رضي الله عنه قالَ: « قَالَ تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلاَةِ. قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: خَمْسِينَ آيَةً » [متفق عليه، واللفظ لمسلم].
والسُّحورُ سنّةٌ بإجماعٍ؛ قال الإمامُ ابنُ المنذرِ في (الإجماعِ) (ص/48): « وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السُّحُورَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ».
3- الزيادةُ فِي أعمالِ الخيرِ؛ كقراءةِ القرآنِ، والذّكرِ، والصّدقةِ، وغيرِها؛ لحديثِ ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: « كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ؛ فَلَرَسُولُ الله r أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ » [متّفق عليه، واللّفظ للبخاري].
4- قولُه جهراً إذا شُتِمَ: « إنِّي صائمٌ »؛ لحديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعاً، وفيه: «وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ؛ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» [متفق عليه].
5- قولُه عند فطرِهِ: « اللّهمَّ لكَ صمتُ، وعلى رزقِكَ أفطرتُ؛ سُبحانَكَ وبحمدِكَ؛ اللّهمَّ تقبّلْ منِّي إنّكَ أنتَ السّميعُ العليمُ »؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ وأنسٍ رضي الله عنهم قالا: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْطَرَ ، قَالَ : بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ؛ تَقَبَّلْ مِنِّي؛ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » [رواه أبوداود مختصراً، وسكت عنه، ورواه بهذا التّمام: الطبرانيُّ في (الدُّعاء)، وضعّفه الهيثميُّ وغيره]. ويقولُ ما رواه ابنُ عمرَ رضي اللهُ عنهما قال: « كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللهُ » [رواهُ الدّارقطنيّ، وحسّن إسنادَه].
6- فطـرُهُ على رُطَبٍ؛ فإنْ لمْ يجِدْ فعلى تمرٍ؛ فإنْ لمْ يجدْ فعلى ماءٍ؛ لحـديثِ أنسٍ رضي الله عنه قال: « كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ قَبْلَ أَن يُّصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعلى تَمَرَاتٍ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَمَراتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِن مَّاءٍ » [رواه التّرمذي].
 
 
عدد القراء : 2470