كتاب الزكاة
 
1) تعريف الزكاة :
الزكاة في اللغة : النماء والزيادة والتطهير. وسمي المال المخرج زكاة لأنه يزيد في المخرَج منه بالبركة، ويقيه من الآفات، ويطهر صاحبه بالمغفرة .
وفي الاصطلاح: اسم لإخراج شيء مخصوص ، من مال مخصوص ، على وجه مخصوص .
2) حكم الزكاة :
الزكاة أحد أركان الإسلام ، وفرض من فرائضه العظام، وهي واجبة بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى : )وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ( ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَالحَجُّ وَصَوْمُ رَمَضَانَ) [رواه البخاري ومسلم] .
3) حكم مانع الزكاة :
- يحرم على من وجبت عليه الزكاة الامتناع عن أدائها؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ لاَ يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِىَ عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ ...) الحديث [رواه مسلم].
- ومن امتنع عن أدائها بخلاً أو تهاوناً وجب على ولي الأمر أخذها منه عنوة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ) [رواه أبو داود، بإسناد حسن] . وعلى ولي الأمر أن يعاقبه ويعزره لارتكابه أمراً مُحرَّماً.
- فإن كانوا جماعة ولهم منعة وقوة ، قاتلهم الإمام حتى يُؤدُّوها؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة وقال : (وَالله لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَالله لَوْ مَنَعُونِى عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ) [رواه البخاري ومسلم] .
- ومن جحد وجوب الزكاة وهو عالم بوجوبها فقد كفر وارتد عن الإسلام ، ولو أخرجها ؛ لتكذيبه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة ، ويجب استتابته ، فإن تاب وإلا قُتل .
4) الأموال التي تجب فيها الزكاة :
تجب الزكاة في خمسة أصناف من المال ، وهي :
أ - بهيمة الأنعام : وهي الإبل والبقر والغنم .
ب- الخارج من الأرض : وهي الزروع والثمار .
جـ - الأثمان : وهي الذهب والفضة .
د - عروض التجارة : وهي السلع والبضائع التي أعدت للتجارة .
وسيأتي بيان أحكامها مفصلة فيما يأتي .
5) شروط وجوب الزكاة :
لا تجب الزكاة إلا عند تحقق شروطها ، وهي :
الشرط الأول : الإسلام ؛ فيشترط في المزكي أن يكون مسلماً ، ولا تصح من الكافر الأصلي أو المرتد؛ لحديث معاذ رضي الله عنه حينما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال له : (إِنَّكَ تَأْتِى قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنِّى رَسُولُ الله، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فى فُقَرَائِهِمْ ...) [متفق عليه]. فلم يأمرهم بالزكاة قبل أن يكونوا مسلمين .
الشرط الثاني : الحريِّة ؛ فلا تصح من العبد الرقيق ولو كان مُكاتَباً ؛ لما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لَيْسَ في مَالِ المُكاتَبِ زَكَاةٌ حَتَّى يُعْتَقَ) [رواه الدارقطني، بإسناد ضعيف] ، ولأن ما يملكه من المال هو ملك لسيده فتجب زكاة ماله على سيده.
- أما العبد المُبعَّض وهو الذي أعتق بعضه - فتجب الزكاة في القدر الذي يملكه باعتبار جزئه الحر .
الثالث : مِلْك النِّصاب ؛ فلا تجب الزكاة فيما دون النصاب ، وهو مقدار المال الذي لا تجب الزكاة في أقل منه ، وهو يختلف باختلاف أجناس الأموال الزكوية ، وسيأتي مفصلاً عند الحديث عنها .
الرابع : المِلْك التام للمال ؛ بأن يكون له التصرف فيه على حسب اختياره، وفوائده عائدة عليه ، ولا يتعلق به حق غيره .
الخامس : تمام الحَوْل؛ وهو إتمام السنة الهجرية. وهذا في غير الزروع والثمار ؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيهِ الحَوْلُ) [رواه ابن ماجه، وهو صحيح بشواهده] .
- واحتساب الحول يبدأ عند اكتمال النصاب ووجوده من أول الحول إلى تمامه ؛ لحديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (فَإِذَا كَانَتْ لَكَ مِئَتَا دِرْهَمٍ، وَحَالَ عَلَيْها الحَوْلُ؛ فَفِيهَا خَمْسَة دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيءٌ- يَعْنِي: في الذَّهَبِ- حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِيناراً، فَإِذَا كَانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَاراً، وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ؛ فَفِيهَا نِصْفُ دَينَارٍ) [رواه أبو داود، بإسناد صحيح] .
فإن نقص النصاب في أثناء الحول ، بسبب بيعٍ أو هِبةٍ أو سَداد دَينٍ، انقطع الحول ، ولم تجب الزكاة فيما بقي . فإن عاد إليه المال واستكمل النصاب استأنف حولاً جديداً ، ما لم يكن قد أنقص النصاب حِيلَةً لإسقاط الزكاة ؛ فلا يستأنف وإنما يبني على ما سبق ؛ لقوله تعالى : )إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ...( الآية ، حيث عاقبهم الله لفرارهم من الصدقة .
- أما الزروع والثمار فتجب الزكاة فيها بحصادها؛ لقوله تعالى : )وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ( .
- ولا يؤثر في تمام الحول نقصانه نصف يوم ونحوه ؛ لأنه يسير .
6) زكاة مال الصغير والمجنون :
لا يشترط في وجوب الزكاة كون المكلف بالغاً أو عاقلاً ؛ فتجب الزكاة في مال الصغير والمجنون ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (أَلا مَنْ وَلِيَ يَتِيماً لَهُ مَالٌ ، فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ) [رواه الترمذي، وضعفه]؛ وعن عمر قال: (ابْتَغُوا بِأَمْوَالِ اليَتَامَى ، لا تَأَكُلْهَا الصَّدَقَةُ) [رواه الدارقطني والبيهقي ، وصححه] .
7) الدَّيْن وأثره في الزكاة :
- إذا كان الدَّينُ ينقص النصاب ، فإنه لا تجب الزكاة ، سواء أكانت الأموال ظاهرة كالنقدين وعروض التجارة ، أم باطنة كالمواشي والحبوب والثمار؛ لما روي عن السائب قال : سمعت عثمان يقول : (هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ، حَتَّى تَحْصُلَ أَمْوَالُكُمْ فَتُؤَدُّونَ مِنْها الزَّكَاةَ) [رواه مالك ، بإسناد صحيح].
- من كان له دين على مِليءٍ أو غير مَليءٍ، فتجب زكاته ، إلا أنه لا يلزمه إخراج زكاته حتى يقبضه ، ويزكيه لما مضى من السنين؛ لأن الزكاة تجب على طريق المواساة، وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به.
- ومن مات قبل أن يزكي ماله الذي وجبت فيه الزكاة ، أخذت من تركته قبل تقسيمها بين الورثة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (فَدَيْنُ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى) [متفق عليه].
8) زكاة المال المكتسب أثناء الحول :
من استفاد مالاً من جنس أموال الزكاة مما يعتبر له الحول؛ كالذهب والفضة وبهيمة الأنعام وعروض التجارة ، فلا يخلو من أحوال :
أ ) أن يكون المال المكتسب ليس له سواه وقد بلغ نصاباً ، فيكون حوله من حين تملَّكه .
ب) أن يكون المال المكتسب له غيره ومن نفس جنسه ، فبلغ المال نصاباً باجتماع المالين معاً ، فيكون حوله من حين اكتمال النصاب.
ج) أن يكون المال الذي عنده بلغ نصاباً ، واستفاد مالاً إضافياً أثناء الحول ، فهذا على ثلاثة أحوال :
الأول: أن يكون المال المستفاد من نماء الأصل ؛ كربح التجارة ونتاج السائمة ، فيضم المال المستفاد إلى أصله ويزكى زكاة مال واحد ؛ لقول عمر رضي الله عنه لساعيه : (اعْتَدَّ عَلَيهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَرُوحُ بِهَا الرَّاعِي عَلَى يَدَيْهِ) [رواه مالك والبيهقي، وإسناده ضعيف].
الثاني: أن يكون المال المستفاد من غير جنس النصاب ، فهذا لا يضم إلى الأصل ، وإنما يحسب له حول جديد منذ ملكه إن كان بلغ نصاباً .
الثالث: أن يكون المال المستفاد من جنس النصاب، ولكن استفاده بسبب مستقل عن الأصل؛ كالميراث أو الهبة. فيحسب له حول جديد من حيث تملكه، ولا يزكى مع النصاب الذي عنده؛ لقول ابن عمر : (مَنِ اسْتَفادَ مَالاً فَلا زَكَاةَ حَتَّى يَحُولَ عَلَيهِ الحَوْلُ ) [رواه الترمذي، وصحح وقفه].
 
 
عدد القراء : 21351