باب صلاة العيدين
 
 
 
باب صلاة العيدين
 
1- العيدان : مثنى عيد ، من العود وهو التكرار ، فكونه يعود ويتكرر في أوقاته السنوية المعلومة سمى عيداً لذلك . وعيدا المسلمين : عيد الفطر وعيد الأضحى .
 
2- صلاة العيدين : فرض كفاية على المسلمين , فإذا قام بها بعض المسلمين ممن يظهر بهم هذه الشعيرة فإنه يسقط الإثم عن الباقين وإلا أثم الجميع ؛ لأن الله عز وجل أمر بها في قوله تعالى ) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ( [الكوثر:2] , والمراد بالصلاة هنا , صلاة العيد كما قال عكرمة وعطاء وقتادة , ولأنها من شعائر الإسلام الظاهرة فكانت واجبة كالجمعة , ولأنه ثبت بالاستقراء أن النبي r كان يواظب عليها , وهذا يدل على الوجوب .
 
3- شروطها : كشروط صلاة الجمعة – وقد مرت - ؛ لأن صلاة العيد شبيهة بصلاة الجمعة فاشترط لها ما اشترط لصلاة الجمعة , إلا الخطبتين فإنهما سنة في صلاة العيد ؛ والدليل على ذلك حديث عبد الله بن السائب رضي الله عنه قَالَ : (شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ الله r الْعِيدَ فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ قَالَ: إِنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ) [رواه أبوداود والنسائي وابن ماجة بإسناد صحيح] . فلو كانت واجبة لأمر النبي r بالجلوس لها والاستماع إليها .
 
4- وقتها : كوقت صلاة الضحى : ويكون ذلك من طلوع الشمس بارتفاعها قيد رمح إلى زوال الشمس ؛ لفعله r كما يدل عليه حديث يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ الرَّحْبِىُّ قَالَ : (خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ الله r مَعَ النَّاسِ فِى يَوْمِ عِيدِ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى فَأَنْكَرَ إِبْطَاءَ الإِمَامِ فَقَالَ إِنَّا كُنَّا قَدْ فَرَغْنَا سَاعَتَنَا هَذِهِ وَذَلِكَ حِينَ التَّسْبِيحِ) [رواه أبوداود وابن ماجة بإسناد صحيح] . وعند الطبراني وصححه ابن حجر: (وَذَلِكَ حِينَ تَسْبيحِ الضُّحَى ) أي حين صلاة الضحى .
 
فإن لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال فإنها تصلى في اليوم الثاني في وقتها قضاءً ؛ لحديث أَبِى عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ r (أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا إِلَى النَّبِىِّ r يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلاَلَ بِالأَمْسِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلاَّهُمْ) [رواه أبوداود والنسائي وابن ماجة بإسناد صحيح] 
 
5- سننها :
 
أ - أن تصلى بالصحراء: لحديث أبي سعيد الخدري قال: (كَانَ رَسُولُ الله r يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى ...) [رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري] .
 
ب- التبكير إليها في حق المأموم: وذلك ليحصل له الدنو من الإمام , وانتظار الصلاة فيكثر ثوابه .
 
ج- التأخير في حق الإمام إلى وقت الصلاة : لفعله r كما في حديث أبي سعيد الخدري السابق قَالَ: (كَانَ رَسُولُ الله r يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ ...) [رواه البخاري ومسلم] .
 
د- أن يذهب المصلي إليها من طريق ويرجع من طريق أخرى : لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (كَانَ النَّبِيُّ r إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ ) [رواه البخاري].
 
هـ- أن يخرج المصلي إليها ماشياً : لحديث ابن عمر رضي الله عنهما (كَانَ رَسُولُ الله r يَخْرُجُ إِلى العِيدِ مَاشِيًا وَيَرْجِعُ مَاشِيًا) [رواه ابن ماجة، وإسناده حسن بشواهده] .
 
6- مكروهاتها :
 
يكره التنفل قبلها وبعدها قبل مفارقة المصلى : لحديث ابن عباس رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ r خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا وَمَعَهُ بِلَالٌ) [رواه البخاري ومسلم] .
 
7- صفتها :
 
- صلاة العيد ركعتان: لقول عمر رضي الله عنه : (صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ الْأَضْحَى رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ r ) [رواه أحمد وابن ماجة بإسناد صحيح] .
 
- يكبر في الركعة الأولى بعد تكبيرة الإحرام وقبل التعوذ ست تكبيرات , وفي الركعة الثانية يكبر قبل القراءة خمس تكبيرات ؛ لحديث عائشة رضي الله عنها (أَنَّ رَسُولَ الله r كَانَ يُكَبِّرُ فِى الْفِطْرِ وَالأَضْحَى في الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَفي الثَّانِيَةِ خَمْسًا) [رواه أبوداود بإسناد صحيح] .
 
- يرفع يديه مع كل تكبيرة: لحديث وائل بن حُجر قَالَ : (رَأَيْتُ رَسُولَ الله r يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ) [رواه أحمد بإسناد حسن] , وقال – يعني أحمد - : ( أرى أنه يدخل فيه هذا كله ) أي يدخل فيه تكبيرات العيد وتكبيرة صلاة الجنازة لعموم هذا الأثر .
 
- يقول بين كل تكبيرتين : الله أكبر كبيرا , والحمد لله كثيرا , وسبحان الله بكرة وأصيلا, وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما ؛ لما ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه (أنه كان يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي r بين كل تكبيرتين من تكبيرات العيد) [رواه الأثرم والطبراني بمعناه وإسناده صحيح] .
 
- ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم , ثم يقرأ جهراً ؛ في الركعة الأولى: سورة الفاتحة , وسورة الأعلى , وفي الركعة الثانية : سورة الفاتحة وسورة الغاشية ؛ لحديث النعمان بن بشير قال: (كَانَ رَسُولُ الله r يَقْرَأُ فِى الْعِيدَيْنِ وَفِى الْجُمُعَةِ بِـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) وَ (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) [رواه مسلم] .
 
- ثم يُسلِّم , ويخطب الإمام خطبتين : لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كَانَ رَسُولُ الله r وَأَبُوبَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ الله عَنْهُمَا يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ) [رواه البخاري ومسلم].
 
- وخطبتي العيد كخطبتي الجمعة : والدليل على ذلك حديث جابر رضي الله عنه في وصف خطبته r في العيد , وفيه: (...ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلاَلٍ فَأَمَرَ بِتَقْوَى الله وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ فَقَالَ: تَصَدَّقْنَ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ...) [رواه مسلم].
 
لكن يُسنُّ أن يستفتح الخطبة الأولى في العيد بتسع تكبيرات, ويستفتح الخطبة الثانية بسبع تكبيرات؛ لحديث عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد المؤذن قال :حدثني أبى عن أبيه عن جده قال : (كَانَ النَّبِيُّ r يُكَبِّرُ بَينَ أَضْعَافِ الخُطْبَةِ , يُكْثِرُ التَّكْبيرَ في خُطْبَةٍ العِيدَيْنِ) [رواه ابن ماجة بإسناد ضعيف] .
 
وأيضاً أثر عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: (يُكَبِّرُ الإِمَامُ إِذَا صَعَدَ المِنْبَرَ يَومَ العِيدِ قَبْلَ الخُطْبَةِ الأُولَى تِسْعَ تَكْبِيراتٍ وَقَبْلَ الثَّانِيَةِ سَبْعَ تَكْبيراتٍ) [رواه سعيد بن منصور بإسناد ضعيف] .
 
* تنبيهان :
 
1- إذا صلى العيد كصلاة النافلة -أي بدون التكبيرات الزوائد , ودون الذكر بينهم- فصلاته صحيحة ؛ لأن التكبيرات الزوائد والذكر بينها سنة لا تبطل الصلاة بترك شيء منه .
 
2- يسن لمن فاتته صلاة العيد مع الإمام أن يصليها ولو بعد الزوال : لحديث عبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك خادم رسول الله r قال : (كَانَ أَنَسٌ إِذَا فَاتَتْهُ صَلاَةُ الْعِيدِ مَعَ الإِمَامِ جَمَعَ أَهْلَهُ فَصَلَّى بِهِمْ مِثْلَ صَلاَةِ الإِمَامِ فِى الْعِيدِ) [رواه البيهقي وإسناده ضعيف] . ولأن صلاة العيد فرض على الكفاية فتكون على أفراد المكلفين على الاستحباب ، وما كان مستحباً فإن قضائه مستحب .
 
فصــل
 
[في التكبير في العيدين]
 
- يسن للمسلم أن يكبر الله عز وجل جهراً في العيد , والتكبير في العيد على قسمين :
 
القسم الأول : التكبير المطلق : وهو الذي لم يقيد بأدبار الصلوات, فيكبر في سوقه وممشاه ومجلسه وفي بيته ونحوه, وهذا يستحب الإتيان به في ليلتي العيدين إلى فراغ الخطبة ؛ لقول الله عز وجل: )وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( [البقرة: 185]، فهذه الآية فيها أن التكبير يكون عند تمام عدة الشهر ويكون ذلك من رؤية الهلال، أو من ثبوت دخول الشهر الآخر بتمام عدة رمضان, فيكبر الله عند ثبوت رؤية الهلال وليلته تلك وصبيحته حتى يغدو إلى المسجد . وثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما (أَنَّهُ كَانَ إِذَا غَدَا يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الفِطْرِ يَجْهَرُ بِالتَّكْبيرِ حَتَّى يَأْتِيَ المُصَلَّى ثُمَّ يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الإِمَامُ) [رواه الدارقطني بإسناد صحيح] .
 
- ويستحب الإتيان به كذلك في كل عشر ذي الحجة ؛ لما ثبت عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما (أَنَّهُما كَانَا يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا) [رواه البخاري معلَّقاً ووصله عبد بن حميد] .
 
القسم الثاني : التكبير المقيد: وهو الذي يكون عقب كل فريضة صلاها في جماعة , وهذا يستحب الإتيان به في عيد الأضحى ابتداءً من صلاة فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق, وهو يوم الثالث عشر من ذي الحجة ؛ ودليله إجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
 
- إلا إذا كان مُحرِماً فيبتدئ التكبير من صلاة ظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق ؛ لأنه مشغول قبل ذلك بالتلبية . وتجدر الإشارة إلى أن الإمام يُكبِّر وهو مستقبل الناس؛ لحديث جابر رضي الله عنه قال: (كَانَ رَسُولُ الله r إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ يُقْبِلُ عَلَى أَصْحَابِهِ فَيَقُولُ: عَلَى مَكَانِكُمْ، وَيَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَلله الحَمْدُ ...) [رواه الدارقطني بإسناد ضعيف] .
 
- صفة التكبير :
 
صفة التكبير أن يقول : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله , والله أكبر الله أكبر ولله الحمد ؛ فقد ثبت عن ابن مسعود رضى الله عنه (أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَلله الحَمْدُ) [رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح] .
 
- ولا بأس بالتهنئة بالعيد بقوله: (تقبل الله منا ومنك)؛ لثبوت ذلك عن أصحاب النبي r, فقد روى محمد بن زياد قال : (كُنْتُ مَعَ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِليِّ وَغْيرِهِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r فَكَانُوا إِذَا رَجَعُوا مِن العِيدِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكَ) [رواه ابن التركماني وقال: قال أحمد بن حنبل: إسناده إسناد جيد].
 
 
 
 
عدد القراء : 14759