صلاة الخوف
 
 
  
 
 
* حكمُ صلاةِ الخوفِ:
 
تُباحُ وتصحُّ صلاةُ الخوفِ -إذا كان القتالُ مباحاً- حضراً وسفراً؛ لقوله تعالى [فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً[البقرة:239]، ولفعلِ رسولِ اللهِ r؛ حيث صلّاها في غزوةِ ذاتِ الرِّقاعِ وغيرِها منَ الوقائِعِ [أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما]، ولإجماعِ الصّحابةِ yعلى فعلِها. ولا تجوزُ في قتالٍ محرّمٍ؛ لأنّها رخصةٌ فلا تُباحُ بمعصيةٍ.
 
* صفةُ صلاةِ الخوفِ:
 
لا تأثيرَ للخوفِ في تغييرِ عددِ ركعاتِ الصّلاةِ؛ فيَقْصُرُ الخائفُ صلاتَهُ في حالِ سفرِهِ، ويُتِمُّ في حالِ إقامتِهِ، ولكنْ يؤثّرُ الخوفُ في صفةِ الصّلاةِ، وفي بعضِ شروطِها على نحوِ ما وردَ عنِ النّبيّ r من كيفياتِ صلاتِها؛ فقد قال الإمامُ أحمدُ -رحمه الله-: «صحّتْ صلاةُ الخوفِ عن النّبيّ r من ستّةِ أوجهٍ، أمّا حديثُ سهلٍ فأنا أختارُهُ».
 
وحديثُ سهلٍ -وهو ابن أبي حَثْمةَ t- الّذي أشار إليه الإمامُ أحمدُ هو صلاتُهُ r يومَ ذاتِ الرِّقاعِ: «أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ؛ فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى؛ فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» [متّفق عليه].
 
ووجهُ اخيارِهِ: كونُه أنْكَى للعَدُوِّ، وأقلُّ في الأفعالِ، وأشبهُ بكتابِ الله تعالى، وأحوطُ للصّلاةِ والحربِ.
 
وإذا اشتدَّ الخوفُ بأنْ تواصلَ الضَّربُ والطَّعنُ، والكرُّ والفرُّ، ولم يمكنْ تفريقُ القومِ صفَّيْن، ولا صلاتُها على وجهٍ من وُجوهِها الأخرى، وحضَرَ وقتُ الصّلاةِ: لمْ تؤخّر، وصلُّوا رجالاً أو رُكباناً متوجّهين للقبلةِ وغيرِها؛ للآيةِ السّابقةِ، ولقولِ ابنِ عمر -رضي اللهُ عنهما-: «فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا؛ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا» قال نافعٌ: لا أرى عبدَ الله بنَ عمر حدّثه إلا عن رسول الله r. [رواه البخاري].ولا يلزمُهم في هذِهِ الحالةِ افتتاحُ الصّلاةِ إلى القبلةِ؛ ولو أمكنهُم ذلكَ.
 
وتكونُ صلاتُهم بالإيماءِ؛ يُومِئون بالرُّكوعِ والسُّجودِ بقدرِ طاقتِهم؛ لأنّهم لو أتمُّوا الرّكوعَ والسّجودَ لكانُوا هدَفاً لأسلحةِ العَدوِّ، معرّضين أنفسَهم للهلاكِ.
 
ويكونُ سجودُهم أخفضُ من ركوعِهِم، ولا يجبْ السّجودُ على ظهرِ الدّابّةِ.
 
* الحالاتُ الّتي تلحق بالصّلاةِ في شدّةِ الخوفِ :
 
يلحقُ بالصّلاةِ في شدّةِ الخوفِ الحالاتُ التاليةُ:
 
1- حالةُ الهرَبِ من عدوٍّ -إذا كان الهربُ مباحاً-، أو الهربِ من سَيْلٍ، أو سَبُعٍ- وهو كلُّ حيوانٍ مفترسٍ-، أو هربٍ من نارٍ، أو غريمٍ ظالمٍ.
 
2- الخوفُ من فواتِ وقتِ الوقوفِ بعرفةَ؛ إذا كان الحاجُّ قاصداً إليها، ولم يبقَ من وقتِ الوقوفِ إلا مقدارٌ يسيرٌ؛ بحيث لو صلّاها على الأرضِ فاتَهُ الوقوفُ؛ لأنّ الضّررَ الّذي يلحقُه بفواتِ الحجِّ لا ينقصُ عن الضّررِ الحاصلِ من الغريمِ الظّالمِ.
 
3- الخوفُ على نفسِهِ أو أهلِهِ أو مالِهِ، أو الذَّبِّ عن ذلك كلِّه، أو عن نفسِ غيرهِ؛ لما في ذلك من الضّرَرِ.
 
4- الخوفُ من فَوْتِ عدُوٍّ يطلبُهُ؛ لحديث عبد الله بن أنيس قال: «بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّـهِ r إِلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِىِّ - وَكَانَ نَحْوَ عُرَنَةَ وَعَرَفَاتٍ-؛ فَقَالَ: « اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ». قَالَ: فَرَأَيْتُهُ وَحَضَرَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ؛ فَقُلْتُ: إِنِّي لأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا إِنْ أُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ؛ فَانْطَلَقْتُ أَمْشِي وَأَنَا أُصَلِّى أُومِئُ إِيمَاءً نَحْوَهُ...» الحديث [رواه أبو داود، وحسّنه الحافظُ ابنُ حجر].
 
- وإنْ خافَ شخصٌ عدواً إنْ تخلّفَ عن رفقتِهِ فصلّى صلاةَ خائفٍ ثمّ بانَ لهُ أمنُ الطَّريقِ: لمْ يُعدْ؛ لعمومِ البَلوى بذلك.
 
- ومن دخلَ في صلاتِه وهو آمنٌ، ثمّ خافَ في أثنائِها لطارئٍ: كمّلها على هيئةِ صلاةِ الخائفِ، وبنى على ما صلّاهُ منها وهو آمنٌ، وإنْ دخلَ فيها وهو خائفٌ ثمّ أمنَ: كمّلها على هيئةِ صلاةِ الآمنِ، وبنى على ما صلّاهُ منها وهو خائفٌ؛ لأنّ بناءَه في كلا الحالتين على صلاةٍ صحيحةٍ.
 
* ما يجوزُ فعلُه للمصلِّي أثناءَ صلاةِ الخوفِ:
 
1- الكَرُّ والفَرُّ، والتّقدُّمُ والتّأخُّرُ، والطّعنُ والضّربُ بحسَبِ المصلحةِ، ولا تبطلُ الصّلاةُ بطولِ ذلك؛ لما ثبت في حديث ابن عمر في صلاةِ الخوفِ قال: «صلّى رسولُ اللهِ r صلاةَ الخوفِ بإحدى الطائفتينِ ركعةً، والطائفةُ الأخرى مواجهةَ العدوِ، ثمّ انصرفُوا وقامُوا في مقامِ أصحابِهم مقبلينَ على العَدُوِّ، وجاء أولئك ثمّ صلّى بهم النّبيُّ r ركعةً، ثمّ سلّمَ النّبيُّ r، ثمّ قضى هؤلاءِ ركعةً، وهؤلاءِ ركعةً» [متّفق عليه]، وهذا فيه عملٌ كثيرٌ في الصّلاةِ.
 
2- حملُ نجسٍ لحاجةٍ؛ كسِلاحٍ مُلوّثٍ بدمِ؛ لقوله تعالى ]وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ[[النساء: 102].
 
ولا يلزمُ المصلِّيَ إعادةُ صلاتِهِ.
 
 
عدد القراء : 14569