فصل في الجمع
 
 
 
 
 
1) المقصود بالجمع :
 
- المقصود بالجمع هو: ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى تقديماً أو تأخيراً ، فيجمع المصلي بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما ، إذا كان هناك عذر معتبر شرعاً .
 
2) الأحوال التي يباح فيها الجمع بين الصلاتين :
 
الأصل في المسلم أن يصلي الصلاة على وقتها لقول الله تعالى : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الُمؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ، ولا يجوز للمسلم أن يخرج الصلاة عن وقتها إلا من عذر شرعي ، والأعذار المبيحة للجمع بين الصلاتين ، تنقسم إلى نوعين :
 
النوع الأول : أعذار تبيح الجمع بين صلاتي الظهر والعصر ، وصلاتي المغرب والعشاء تقديماً أو تأخيراً، وهي :
 
أ ) السَّفر الذي تُقصَر فيه الصَّلاة . وهو السفر الطويل الذي يبلغ (81 كم) فأكثر ؛ فيجوز أن يجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، جمع تقديم أو جمع تأخير ؛ وذلك لما ثبت من حديث معاذ ابن جبل رضي الله عنه قال : (أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ فى غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ ، وَفِى المَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ إِنْ غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا) [رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح] .
 
ب) المقيم المريض الذي تلحقه مشقة وضعف بترك الجمع؛ لما ثبت عن ابن عباس قال : (جَمَعَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَينَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالمَدِينَةِ ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلا مَطَرٍ) ، وفي رواية (مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلا سَفَرٍ) [رواه مسلم] . فإذا كان الجمع لا يجوز لغير عذر ، كان العذر الذي من أجله جَمَع في هذا الحديث هو عُذر المرض .
 
ج) المرأة المرضع؛ إذا كان يشق عليها غسل ثوبها الذي تصيبه النجاسة في وقت كل صلاة . بشرط أن لا يتخذ ذلك عادة .
 
د ) العاجز عن الطهارة أو التيمم لكل صلاة؛ كالمستحاضة، ومن به سلس بول ، ومن ينزف جرحه على الدوام ؛ وذلك لحديث حمنة حين استفتت النبي صلى الله عليه وسلم في الاستحاضة فقال : (وَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ ، وَتُعَجِّلِي العَصْرَ ، فَتَغْتَسِلِينَ ثُمَّ تُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعاً ، ثُمَّ تُؤَخِّرِي المَغْرِبَ وَتُعَجِّلِي العِشَاءَ ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلاتَينِ فَافْعَلِي) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي ، بإسناد حسن] .
 
هـ) الشغل الذي يبيح ترك الجمعة والجماعة، إذا كان يخاف بتركه ضرراً ؛ كالطباخ والخباز والحارس ، بحيث لا يتخذ ذلك عادة ؛ لحديث ابن عباس السابق ، وفيه أنه لما سئل عن سبب جمع النبي صلى الله عليه وسلم في غير الأعذار المعروفة ، قال : (أَرَادَ أَنْ لا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ) ؛ ففهم منه أنه إذا دعت الحاجة إلى الجمع بين الصلاتين جمع بينهما إذا كان في عدم الجمع مشقة وحرج .
 
النوع الثاني: أعذار تختص بإباحة الجمع بين المغرب والعشاء فقط ، وهي :
 
أ ) المطر الذي يبل الثياب وتوجد معه مشقة؛ لما روى نافع (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما كَانَ إِذَا جَمَعَ الأُمَرَاءُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ في المَطَرِ جَمَعَ مَعَهُمْ) [رواه مالك، بإسناد صحيح] ، ولما ثبت عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب ، وأبي بكر بن عبد الرحمن المخزومي (أَنَّهُم كَانُوا يَجْمَعُونَ بَينَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ في اللَّيلَةِ المَطِيرَةِ إِذَا جَمَعُوا بَينَ الصَّلاتَينِ وَلا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ) [رواه البيهقي] .
 
ب) الثَّلج والبَرَد؛ لأنهما في معنى المطر .
 
ج) الوَحْل والطين؛ لأن المشقة تلحق المصلي في تلويث نعله وثيابه ، ويتعرض فيه الإنسان للزلق فيتأذى في نفسه وثيابه ، وهو في ذلك أعظم من البلل الذي يلحقه بالمطر .
 
د ) الجليد؛ لأنه يجتمع فيه معنيان ؛ أحدهما : المشقة بسبب شدة البرد ؛ إذ الجليد لا يتكون إلا مع البرودة الشديدة . والثاني : أنه التعرض للزلق فيتأذى به الإنسان كالوحل والطين .
 
هـ) الريح الشديدة الباردة؛ لأنه عذر في ترك الجمعة والجماعة كما في حديث ابن عمر : (كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُنادِي مُنادِيهِ في اللَّيلَةِ المَطِيرَةِ أَو اللَّيلَةِ البَارِدَةِ ذَاتِ الرِّيحِ : صَلُّوا في رِحَالِكُمْ) [رواه ابن ماجه ، بإسناد صحيح] . فدل ذلك على أن شدة البرد مما يلحق المشقة بالمصلي ، فجاز الجمع بسببه .
 
3) المفاضلة بين جمع التقديم وجمع التأخير :
 
لا مفاضلة بين جمع التقديم وجمع التأخير ، وإنما الأفضل ما كان أرفق بالمعذور ؛ لأن الجمع إنما شرع لرفع الحرج والمشقة ، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمرين بحسب الأرفق به كما في حديث معاذ (أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ ، وَفِى المَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ إِنْ غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا) [رواه أبو داود والترمذي، بإسناد صحيح] .
 
4) شروط جمع التقديم :
 
إذا جمع المعذور جمع تقديم، فإنه يشترط لذلك ما يأتي :
 
أ ) نية الجمع عند الإحرام بالصلاة الأولى؛ لأن الجمع عمل وهو مفتقر إلى النية ؛ كما في الحديث: (إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ) [متفق عليه] .
 
ب) أن لا يفرِّق بين الصلاتين بنافلة؛ فينبغي لصحة الجمع أن يوالي بين الصلاتين ولا يفصل بينهما بفاصل يسير عرفاً ؛ كقدر الإقامة أو الوضوء؛ لأن معنى الجمع المقارنة والمتابعة ، وقد ثبت ذلك من حديث أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة جمعه في مزدلفة قال : (فَلَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ في مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلاَّهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) [متفق عليه] .
 
- فإن فصل بين الصلاتين بأداء السُّنة بطل الجمع ؛ لأنه فرق بينهما بصلاة .
 
ج) أن يوجد العذر عند ابتداء الصلاتين ويستمر إلى الفراغ منهما؛ لأن وجود العذر هو السبب المبيح للجمع ، فإذا زال العذر في قبل افتتاح الأولى أو في أثنائها أو قبل الفراغ من الثانية لم يصح الجمع لزوال سببه .
 
- وإن زال العذر في أثناء الأولى ثم عاد قبل تمامها ، أو انقطع بعد افتتاح الثانية ، جاز الجمع ، ولم يؤثر انقطاعه ؛ لأن العذر وجد في وقت اشتراطه ، فلا يضر عدمه في غيره .
 
5) شروط جمع التأخير :
 
وإذا جمع المعذور جمع تأخير ، فإنه يشترط لذلك ما يأتي :
 
أ ) نية الجمع بوقت الأولى ما لم يضق الوقت عن فعلها؛ لأن تأخيرها حرام ، والتأخير ينافي الرخصة ، كما أن التأخير يفوت فائدة الجمع وهو التخفيف بالمقاربة بين الصلاتين .
 
ب) بقاء العذر إلى دخول وقت الثانية؛ لأن وجود العذر سبب إباحة الجمع ، فإذا لم يستمر إلى وقت الثانية زال سبب الجمع .
 
6) ما لا يشترط لصحة الجمع :
 
لا يشترط لصحة الجمع بين الصلاتين اتحاد الإمام والمأموم ؛ فيصح الجمع في الأحوال الآتية :
 
أ ) أن يصلى المأموم الظهر خلف إمام والعصر خلف إمام آخر .
 
ب) أن يجمع إمام العصر بمأموم غير الذي صلى معه الظهر .
 
ج) أن يجمع المأموم خلف إمام لم يجمع .
 
د ) أن يصلى إحدى الصلاتين منفرداً والأخرى في جماعة .
 
هـ) أن يجمع الإمام بمأموم لم يجمع .
 
7) صلاة السُّنة والوتر حال جمع التقديم :
 
- إذا جمع المصلي جمع تقديم ، فله أن يصلي سنة الأولى وسنة الثانية بعد الجمع ؛ لأن السنة الراتبة تابعة لفرضها ، وهو قد صلى الفرض .
 
- وإذا صلى المغرب والعشاء جمع تقديم ، فله أن يوتر قبل دخول وقت العشاء ؛ لأن الوتر وقته ما بين صلاة العشاء إلى الفجر ، وقد صلى العشاء فدخل وقته .
 
 
عدد القراء : 9341