فصل في الإمامة
 
 
 
1- الأحقُّ بالإمامةِ:
 
الأولى بالإمامةِ: الأجودُ قراءةً الأفقهُ؛ لجمعِه المرتبتينِ، ثمّ يليهِ الأجودُ قراءةً الفقيهُ؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كانوا ثلاثةً فليؤمَّهُم أحدُهم، وأحقُّهم بالإمامةِ أقرؤُهم » [رواه مسلم].
 
ثمّ يليه الأقرأُ جودةً وإنْ لم يكن فقيهاً؛ إنْ كان يعرفُ فقهَ صلاتِه حافظاً للفاتحةِ؛ للحديث المذكور.
 
ويُقدَّمُ القارئُ الّذي لا يعلمُ فقهَ صلاتِه على الفقيه الأُمِّيِّ الذي لا يقرأ ولا يكتب؛ لحديث: «يؤمُّ القومَ أقرؤُهم لكتابِ اللهِ؛ فإن كانوا في القراءةِ سواءً فأعلمُهم بالسُّنّةِ؛ فإن كانوا في السُّنّةِ سواءً؛ فأقدمُهم هجرةً» [رواه مسلم].
 
ثمّ يُقَدَّمُ الأسنُّ؛ لقوله: «إذا حضرتِ الصلاةُ؛ فليؤذِّنْ لكم أحدُكم وليؤمَّكم أكبرُكم» [متفق عليه].
 
ثمّ الأشرفُ نسباً؛ إلحاقاً للإمامة الصغرى بالكبرى، وحديث: «الأئمّةُ من قُريشٍ» [رواه أحمد، والنّسائي في السّنن الكبرى].
 
ثمّ الأَتْقى والأَوْرعُ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات: 13].
 
ثم يُقرع بينهم إذا تساووا فيما سبق؛ قياساً على الأذانِ.
 
وصاحبُ البيتِ الصّالحِ للإمامةِ أحقُّ بها ممّن حضره في بيتِهِ؛ لحديث: «لا يُؤَمَّنَّ الرَّجلُ الرَّجلَ في بيتِهِ» [رواه مسلم].
 
وإمامُ المسجدِ أحقُّ بالإمامةِ فيهِ؛ لأن ابن عمر أتى أرضاً له وعندها مسجد يصلي فيه مولى له فصلى ابن عمر معهم فسألوه أن يؤمهم فأبى، وقال للمولى: «أنتَ أحقُّ أن تصلِّيَ في مسجدِك منِّي» [رواه الشّافعيُّ والبيهقيُّ].
 
والحاضرُ أولى من المسافرِ؛ لأنّه ربّما قصَّر؛ ففاتَ المأمومينَ بعضُ الصَّلاةِ جماعةً.
 
والبصيرُ أولى من الأَعْمى؛ لأنّه أقدرُ على توقِّي النّجاسةِ، واستقبالِ القبلةِ بعلمِ نفسِهِ.
 
والمتوضِّئ أولى من المتيمِّمِ؛ لأنّ الوضوءَ يرفعُ الحدثَ، بخلاف التيمّم فإنّه مبيحٌ.
 
وتكرهُ إمامةُ غير الأَوْلى بلا إذنٍ من الأَوْلى بالإمامة ؛ لما في ذلك من الافْتئاتِ-التعدي- عليهِ.
 
2- شروطُ صِحّةِ الإمامة:
 
أ- العدالةُ: فلا تصحُّ إمامةُ الفاسقِ إلا في جمعةٍ وعيدٍ تعذّر إقامتُهما خلفَ غيرِه؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18]، ولحديث جابر رضي الله عنه مرفوعاً: «لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلاً، ولا أعرابيٌّ مهاجراً، ولا فاجرٌ مؤمناً إلا أن يقهرَه بسلطانٍ يخافُ سوطَه وسيفَه» [رواه ابن ماجه والبيهقي، وهو حديث ضعيف].
 
وتصحُّ إمامةُ الأعمى والأصمِّ؛ لأنّ النبيَّ r كان يستخلفُ ابنَ أمِّ مكتومٍ يؤمُّ الناسَ، وهُو أعمَى [رواه أبو داود]، وقِيسَ عليه الأصمُّ.
 
وتصحُّ إمامةُ الأقلفِ- الذي لم يختتن-؛ لأنّه ذكرٌ، مسلمٌ، عدلٌ؛ قارئٌ؛ فصحتْ إمامتُه.
 
وتصحُّ إمامةُ كثيرِ اللَّحْنِ إذا كان خطؤه لا يُحيلُ ولا يغيّر المعنى، وإِمامةُ التَّمْتامِ الذي يكرِّرُ التاءَ، ولكنْ مع الكراهةِ في الكلِّ-الأعمى، والأصمّ، والأقلف، وكثير الّلحن-؛ للخلافِ في صحةِ إمامتِهم.
 
ب- القدرةُ على الإتيانِ بالشروطِ والأركانِ: فلا تصحُّ إمامةُ العاجزِ عن شرطٍ أو ركنٍ إلا بمثلِه -لإخلالِه بفرضِ الصَّلاةِ-، إلا الإمامُ الرّاتبُ بمسجدٍ ويُرجى زوالُ عجزِه وعلّتِه فيصلِّي جالساً ويجلسون خلفَه، وتصحُّ قياماً؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلّى بهم جالساً فصلّى وراءَهُ قومٌ قياماً ، فأشار إليهم أن اجلِسُوا، ثمّ قال: «إنّما جُعل الإمامُ ليؤتمَّ بهِ...، وإذا صلّى جالساً فصلُّوا جلوساً أجمعُونَ» [متفق عليه].
 
وإنْ تركَ الإمامُ ركناً أو شرطاً مختَلَفاً فيه مقلِّداً لغيرِه: صحَّتْ صلاتُه، ومن صلّى خلفَه معتقداً بطلانَ صلاتِه أعادَ؛ لأنّه تركَ ما تتوقّفُ عليه صحَّةُ صلاتِهِ.
 
والرواية الأظهر في المذهب واختارها الأكثر عدم الإعادة؛ لأن الصحابة كان يصلي بعضهم خلف بعض مع الاختلاف، ولأن صلاته لنفسه صحيحة ، فجاز الائتمام به ، والله قد رفع الإثم عن المجتهد ، وبذلك يحصل الغرض في مسائل الخلاف وهو الاجتهاد أو التقليد، ولا إنكارَ في مسائلِ الاجتهادِ؛ لعدمِ الدّليلِ.
 
ج- الذُّكورةُ في حقِّ الرّجال: فلا تصحُّ إمامةُ المرأةِ بالرِّجالِ؛ لما تقدّم.
 
د- البلوغُ: فلا تصحُّ إمامةُ المميِّزِ بالبالغِ في الفرضِ؛ لقول ابن مسعود رضي الله عنه: «لا يَؤُمَّنَّ الغلامُ حتّى تجبَ عليه الحدودُ» [رواه الأثرم]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «لا يؤمنّ الغلامُ حتّى يحتلمَ» [رواه عبد الرّزاق والبيهقي بإسناد ضعيف]، ولم ينقل عن غيرِهما من الصحابة y خلافُه.
 
وتصحُّ إمامتُه في النَّفلِ، وفي الفرضِ بمثلِه من غير البالغين؛ لأنّها نفل حقِّ كلٍّ منهم.
 
هـ- الطّهارة من الحدثِ والخبثِ (النّجاسة): فلا تصحُّ إمامةُ محدِثٍ، ولا نجسٍ يعلمُ ذلك؛ فإنْ جهلَ هُو والمأمومُ حتّى انقضتْ الصّلاةُ: صحّت صلاةُ المأمومِ وحدَهُ؛ لما ثبت عن عمر رضي الله عنه «أنّه صلّى بالنّاسِ الصُّبحَ، ثمّ خرج إلى الجُرْفِ فوجدَ في ثوبِه احتلاماً؛ فأعاد الصلاةَ، ولم يعد الناسُ». [رواه مالك وعبد الرّزاق].
 
و- إحسانُ القراءة: فلا تصحُّ إمامةُ الأمِّيِّ -وهو من لا يحسنُ الفاتحةَ - إلا بمثلِه؛ لعجزِهِ عن ركنِ الصَّلاةِ.
 
- ويصحُّ النَّفلُ خلفَ من يُصلِّي الفرض؛ لحديث مِـحْجَن بن الأدرع رضي الله عنه قالت: «أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد؛ فحضرتِ الصلاةُ فصلّى فقال لي: ألا صليتَ؟ قال: قلت: يا رسول الله قد صليتُ في الرَّحْلِ ثمّ أتيتُك. قال: فإذا فعلتَ فصلِّ معهُم، واجعلْها نافلةً» [رواه أحمد].
 
- ولا يصحُّ الفَرضُ خلفَ من يصلّي نافلةً؛ لحديث: «إنمّا جُعلَ الإمامُ ليؤتمَّ به فلا تختلفُوا عليهِ» [متفق عليه].
 
وفي رواية عن الإمام أحمد يَصحُّ؛ لأنّ جابراً روى أن معاذاً كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثمّ يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة [متفق عليه]، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم في الخوف بطائفة ركعتين ثم سلّم ثم صلّى بالأخرى ركعتين ثم سلم [رواه أبو داود]، وهو في الثانية متنفِّلٌ يؤمُّ مفترضين.
 
- وتصحُّ الصّلاةُ المقضيّةُ خلفَ الصّلاةِ الحاضرةِ، والحاضرةُ خلفَ المقضيّةِ حيثُ تساوتا في الاسمِ -كظهرٍ خلف ظهرٍ-؛ لأنّ الصلاةَ واحدةٌ، وإنّما اختلفَ الوقتُ.
 
ولا يصحُّ عصرٌ خلف ظهرٍ، ولا عكسُه.
 
 
 
 
عدد القراء : 4586