فصل في سجود التلاوة والشكر
 
  

     أولاً : سجودُ التِّلاوةِ:
 
أ- حكمُهُ:
 
سجودُ التِّلاوةِ سنّةٌ مؤكّدةٌ، وليس واجباً؛ لحديثِ زيدِ بن ثابتٍ رضي الله عنه قالَ: «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ﴿وَالنَّجْمَ﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» [متّفق عليه].
 
وهو سُنَّةٌ لِلْقَارئِ والمُسْتمِعِ بشَرْطِ أن لَّا يَطولَ الفاصلُ بين قِراءةِ السّجدةِ والسُّجودِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ رضي اللهُ عنهما قال: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ؛ فَنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعاً يَسْجُدُ عَلَيْهِ» [متفق عليه].
 
وإِنْ طَالَ الفصلُ بين القِراءةِ والسُّجودِ لمْ يشرعِ السُّجودُ؛ لفَواتِ محلِّهِ.
 
ب- شروطُهُ:
 
يُشْترطُ لِسُجودِ التِّلاوةِ ما يُشترطُ لِصلاةِ النَّافلةِ من النِّيّةِ، والطّهارةِ، وسترِ العورةِ، واستقبالِ القِبلةِ؛ لأنَّهُ سُجودُ قُربةٍ لله تعالى؛ فكانَ صلاةً؛ يُشترطُ لها ما ذُكرَ كسُجودِ الصّلاةِ.
 
ج- صفتُهُ:
 
يُكبِّرُ إذا أرادَ السُّجودَ بلا تكبيرةِ إحرامٍ، ولو كان خارجَ الصّلاةِ؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كانَ النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ؛ فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ» [رواه أبو داود، وحسّنه ابن القطان] ، ولأنَّهُ سُجودٌ مُفردٌ فشُرع التّكبيرُ في ابتدائِهِ وفي الرّفعِ منه؛ كسُجودِ السَّهوِ.
 
ويقولُ في سُجودِهِ ما يقوُلُ في سجودِ الصَّلاةِ، وإنْ زادَ غيرَهُ ممّا ورد فحسنٌ، وممّا ورد: «سَجَدَ وجهي الذي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ» [رواه الخمسةُ، وصحّحه الترمذيُّ].
 
وإذا رفعَ رأسَهُ من السُّجودِ كبّرَ؛ لأنّهُ رفعٌ من سجودٍ؛ فأشْبَه سجودَ الصّلاةِ وسجودَ السَّهوِ.
 
ويجلسُ ويُسلّمُ إذا رفعَ رأسَه تسليمةً واحدةً بلا تَشهُّدٍ؛ لعُمومِ حديثِ عليٍّ رضي الله عنه مرفوعاً: «تحريمُها التّكبيرُ، وتَحلِيلُها التّسليمُ» [رواه أبوداود والتّرمذي وابنُ ماجه].
 
د- سجودُ التِّلاوةِ خلفَ الإمامِ:
 
إذا سَجَد المأمومُ لِقراءةِ نفسِهِ، أو لقِراءةِ غيرِ إمامِهِ مُتَعمِّداً بَطَلتْ صلاتُه؛ لحديث: «إنَّما جُعِلَ الإِمَامُ ليُؤتَمَّ بِهِ؛ فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» [متّفق عليه]، ولأنّهُ زاد في صلاتِهِ سجوداً.
 
ويجبُ على المأمومِ أن يُّتابعَ إمامَه إذا سجدَ للتِّلاوةِ فِي صلاةِ الجهرِ، ولوْ تَرَك متابعتَهُ عمداً بَطَلتْ صَلاتُهُ؛ للحديثِ السّابقِ.
 
- ويُشترطُ لاستحبابِ السّجودِ في حقِّ المُسْتمعِ: أن يكونَ القارئُ ممّن يَصلحُ إماماً للمُستمعِ، وأنْ يسجُدَ هو للتّلاوةِ؛ فلا يسجُدُ المستمعُ إنْ لمْ يسجُدِ القارئُ، كما لا يسجدُ قُدّامَهُ، ولا عن يسارِهِ مع خُلُوِّ يمينِهِ؛ لأنّه إمامٌ لهُ، وقد جاء في حديثِ عطاءٍ بن يسارٍ: أنّ غُلاماً قرأ عند النّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّجْدةً؛  فانتظر الغلامُ النّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يّسجدَ؛ فلمّا لمْ يسجدْ قال: يا رسولَ اللهِ أليسَ في هذه السُّورةِ سجدةٌ ؛ فقال – عليه الصّلاةُ والسّلامُ-: «بلى! ولَكِنَّكَ كُنْتَ إِمَامَنَا فِيهَا؛ فَلَوْ سَجَدتَّ سَجَدْنَا» [رواه الشافعيُّ وابنُ أبي شيبة والبيهقيُّ، قال ابن حجر : رجاله ثقات إلا أنه مرسل].
 
- ولا يسجدُ الرَّجلُ المستمعُ لتِلاوةِ المرأةِ والُخْنثى؛ لأنّهُ لا يصحُّ ائتمامُهُ بهما.
 
ويسجدُ لتِلاوةِ أمِّيٍّ وزَمِنٍ ومميِّزٍ؛ لأنّ قراءةَ الفاتحةِ والقِيامَ ليسا ركناً فِي السُّجودِ، ولأنّ المميِّزَ تَصِحُّ إمامتُهُ فِي النّافلةِ؛ فكذلك هُنا.
 
 ثانياً : سجودُ الشُّكرِ .
 
يُسَنُّ سُجودُ الشُّكرِ للهِ تعالى عندَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ وانْدفاعِ النِّقمِ؛ سواءٌ كانتْ النِّعمُ عامّةً أو خاصّةً؛ لحديث أبي بكرة رضي الله عنه «أنّ النّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ إذَا أتاهُ أمرٌ يُسَرُّ بِهِ خَرَّ سَاجِداً شُكْراً للهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى» [رواه أبو داود وابنُ ماجه والترمذيُّ وحسَّنه].
 
ولحديثِ البراءِ بنِ عازبٍ رضي الله عنه : أنّ النّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث عليًّا إلَى أهلِ اليمنِ يدعُوهُم إلَى الإسلامِ... فأسْلمتْ همدانُ جميعاً, فكتب عليٌّ رضي الله عنه إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بإسلامِهِمْ؛ فلمّا قرأَ الكتابَ خرَّ ساجداً ثمّ رَفَعَ رأسَهُ فقالَ: «السَّلَامُ عَلَى هَمْدَانَ, السَّلَامُ عَلَى هَمْدَانَ» [رواه البيهقيُّ، وصحّحه].
 
وإنْ سجدَ للشُّكرِ فِي صلاتِهِ وهو عالمٌ ذاكرٌ - غير جاهلٍ ولا ناسٍ- بَطَلتْ صلاتُهُ؛ لأنّ سببَ الشُّكرِ ليس له تعلُّقٌ بالصّلاة ِبخِلافِ سُجودِ التِّلاوةِ.
 
 
- وصفةُ سجودِ الشُّكرِ وأحكامُه مثلُ سجودِ التِّلاوةِ.
 
عدد القراء : 3766