ألا تحبون أن يغفر الله لكم
 

ألا تحبون أن يغفر الله لكم

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المتقين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه  وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على هديهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد حرص الإسلام على دوام الألفة والمحبة بين المؤمنين، وحثهم على تنقية النفوس وتصفية القلوب من كل ما من شأنه أن يفسدها من حقد وغلٍّ وحسد؛ إذ لا خطر أشد على الأمة من أن يدبَّ في أفرادها داء العداوة والبغضاء والشحناء الذي يقضي على كيانها ويحلق دينها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (والّذي نَفْسي بِيَدِهِ! لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حتَّى تُسْلِمُوا، ولا تُسْلِمُوا حتَّى تَحابُّوا، وَأَفْشُوا السَّلامَ تَحابُّوا، وَإِيَّاكُمْ والبُغْضَةَ، فَإِنَّها الحَالِقَةُ؛ لا أَقُولُ لَكُمْ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ) [رواه البخاري في الأدب المفرد].

ولقد أثنى الله تعالى على السَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار؛ لما أظهروه من صفاء قلوبهم تجاه بعضهم بعضاً؛ فرأيناهم كيف بذلوا الغالي والنفيس من الأهل والمال في سبيل ذلك التآلف، بل إن صفاء قلوبهم بلغ الميت منهم؛ فكانوا لا ينسونه من دعوة صالحة؛ فقال الله تعالى واصفاً إياهم ومادحاً فعلهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَو كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُّوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُون رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيِمَانِ وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 9-10].

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: (قِيلَ لِرَسُولِ الله : أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: كُلُّ مَخْمُومِ القَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ. قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَما مَخْمُومُ القَلْبِ؟ قَالَ: التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لا إِثْمَ فِيهِ، وَلا بَغْيَ، وَلا غِلَّ، وَلا حَسَدَ) [رواه ابن ماجه].

ومن تدبَّر كتاب الله تعالى يدرك مدى حرص الشيطان وجنوده على زرع هذه الأمراض الخطيرة في قلوب المؤمنين؛ طلباً للتفريق بينهم، وإضعافاً لقوتهم، وتوهيناً لوحدتهم؛ لا سيما وأن الغِلَّ والبُغْضَ الذي مَلأ قلبَ الشيطانِ على أَبي البَشَرِ آدمَ عليه الصَّلاة والسَّلام، كان سبباً في طرده من رحمة الله تعالى إلى يوم الدين. وفي هذا تنبيه شديد من ربنا عز وجل على خطورة هذه الأمراض، وشناعة آثارها على من أصيب قلبه بها.

فالشيطان لا تهدأ نفسه ولا يهنأ باله حتى يزرع الشقاق والنزاع بين عباد الله الموحِّدين؛ ليضلهم عن سبيل الله، ويضعف من قوتهم؛ قال تعالى: ﴿وَقُل لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِيناً [الإسراء: 64]. ولهذا حذَّر النبي أمته من الانخداع بهذا المخطط الشيطاني؛ فعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي يقول: (إِنَّ الشَّيطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَلَكِنْ في التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) [رواه مسلم].

ولا شك أن من يتبع سبيل الشيطان فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً وخسر خسراناً مبيناً؛ كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يَّتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِن دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً[النساء: 119].

إن نصوص الشريعة تؤكد على أن رحمة الله تعالى وسعت كل شيء، وأنها أقرب ما تكون من المُحسنين الذين يتَّبعون ما أنزل الله، ويجتنبون ما نهى عنه، والمشاحن المبغض لإخوانه المعادي لهم في هذه الدنيا بعيدٌ عن الإحسان؛ الأمر الذي يجعله عرضة للحرمان من رحمة الله ومغفرته؛ ولقد بيّن النبي أن لله تعالى نفحات في أيام مخصوصة يعمّ بها عباده المؤمنين الموحِّدين؛ إلا أن من العباد من يُحرَمُ من هذه النفحات بسبب ذنب اقترفه، أو غِلٍّ على إخوانه قد عشش في قلبه؛ فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي قال: (يَطَّلِعُ اللهُ إِلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ لَيلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ؛ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، إِلاَّ لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ) [رواه الطبراني وابن حبان].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (تُفْتَحُ أَبْوابُ الجَنَّةِ يَومَ الاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ؛ فَيَغْفِرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِالله شَيْئاً، إِلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَينَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ؛ فَيَقُولُ: أَنْظِرُوا هَذِينِ حَتَّى يَصْطَلِحَا) [رواه مسلم].

ومع استنفار إبليس وجنوده الشديد لإيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، جاء الهدي الإلهي والشرعة الربانية لتبيِّن السَّبيل للمؤمنين، وتأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم؛ فرسمت لهم سبل الوقاية من هذه الأمراض، ووضعت الوسائل التي تعالج بها القلوب التي ابتليت بسهام الشيطان؛ ومن أبرز هذه الوسائل وأعظمها:

1- إخلاص العمل لله تعالى:

إن التنافس على الدنيا والرغبة في حطامها الزائل سبب من أسباب الوقوع في العداوة والبغضاء بين المتنافسين؛ ذلك أن التنافس فيها، وحب الظهور، والرغبة في تحصيل مُتَعِها؛ يولِّد التحاسد والتباغض والكيد.

أما إذا ابتغي بهذا التنافس وجه الله، وقُصد به تحقيق المصالح العليا للأمة؛ زال المرض بإذن الله تعالى؛ لأن المسلم ينظر إلى نفسه في مجتمعه كالعضو في الجسد؛ الذي يعمل فيه كل واحدٍ لمصلحة هذا الكيان وبقائه والمحافظة عليه.

وقد بيّن النبي ما للإخلاص من دور في سلامة القلب من الغلِّ؛ فقال عليه الصلاة والسلام: (ثَلاثٌ لا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ صَدْرُ مُسْلِمٍ إِخْلاصُ الْعَمَلِ لله عَزَّ وَجَلَّ، وَمُنَاصَحَةُ أُولِي الأَمْرِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ) [رواه أحمد].

يقول ابن عبد البر رحمه الله: «فمعناه: لا يكون القلب عليهن ومعهن غليلاً أبداً؛ يعني لا يقوى فيه مرض ولا نفاق إذا أخلص العمل لله، ولزم الجماعة، وناصح أولي الأمر» [التمهيد 21/277].

2- اللُّجوء إلى الله تعالى بالتوكِّل والدُّعاء .

فالعبد إذا لجأ إلى ربه وتوكَّل عليه في كل شأنه، مع الأخذ بالأسباب المشروعة؛ أدركته رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء، لا سيما وأن هذه الأمراض الخطيرة تتسلل إلى النفوس خفية، ولا يشعر بها الإنسان إلا وقد اقتحمت قلبه واستوطنت فؤاده.

فالعاقل لا يكل نفسه إلى هواها؛ لأن من اتبع هواه وما تمليه عليه نفسه ضلَّ وغوى، وتقاذفته الشبه والأهواء والأمراض؛ فهو محتاج إلى رحمة الله تعالى وتوفيقه وهدايته؛ ولذا كان من دعاء النبي : (يا حيُّ يا قَيُّومُ بِرَحمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَينٍ) [رواه النسائي في الكبرى]؛ أي: لا تسلمني إلى نفسي وتتركني هملاً، ولو لحظة واحدة.

ومن أعظم ما يلجأ به العبد إلى ربه طلباً لعونه أن يرفع أكفَّ الضراعة، ويتوجه إليه بالدعاء وسؤاله سلامة القلب؛ وقد كان النبي يعلِّم أمته الحرص على الدعاء بمثل ذلك؛ فكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: (وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي) [رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه]، ومن دعائه أيضاً: (وَأَسْأَلُكَ قَلْباً سَلِيماً) [رواه أحمد والترمذي والنسائي].

يقول ابن القيم رحمه الله: «القلب السليم هو الذي سَلِمَ من الشركِ والغلِّ والحقدِ والحسدِ والشُّحِّ والكِبْرِ وحبِّ الدُّنيا والرئاسةِ؛ فسَلِمَ من كلِّ آفةٍ تبعده عن الله، وسَلِمَ من كلِّ شُبهةٍ تعارضُ خبرَه، ومن كل شهوةٍ تعارضُ أمرَهُ، وسَلِمَ من كلِّ إرادةٍ تزاحمُ مرادَهُ، وسَلِمَ من كلِّ قاطعٍ يقطعُ عن الله...» [الجواب الكافي (ص151)].

3- رضى العبد عن ربه، ورضاه بما قسم له:

إن الله تعالى لما خلق الخلق وقسم الأرزاق، جعل الناس منازل ومراتب، فمنهم الغني ومنهم الفقير، ومنهم القوي ومنهم الضعيف، ومنهم الصحيح ومنهم العليل؛ وما ذاك إلا لحكمة عظيمة أرادها سبحانه، علمها من علمها وجهلها من جهلها. فإذا أيقن العبد المسلم أن الله تعالى لم يجعل ذلك لهواً ولا عبثاً، ورضي بما قسمه الله تعالى له، وآمن بأن ما عند الله خير وأبقى لمن اتقى وآمن وعمل صالحاً؛ سلم قلبه من الحقد والغلِّ والحسد؛ فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: (وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ) [رواه أحمد والترمذي].

ويبين ابن القيم رحمه الله أهمية الرضى كعلاج لقلب المسلم فيقول: «الرضى يفتح له باب السلامة؛ فيجعل قلبه سليماً نقيًّا من الغشِّ والدَّغل والغلِّ، ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم، وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضى، وكلما كان العبد أشد رضى كان قلبه أسلم؛ فالخبث والدَّغل والغش قرين السخط، وسلامة القلب وبره ونصحه قرين الرضى، وكذلك الحسد هو من ثمرات السخط، وسلامة القلب منه من ثمرات الرضى » [مدارج السالكين 2/207].

4- صيام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر:

إن العبد الذي يشغل نفسه بطاعة الله تعالى ويبتغي مرضاته بإخلاص نية وصدق عزيمة من أبعد الناس عن أمراض القلوب؛ لأن نفسه قد شغلت بحبِّ الله سبحانه وتعالى، وحبِّ ما يحبُّه من الطاعات، فلا وقت عندها ولا مكان للتفاهات والترهات.

ومن أعظم الطاعات والعبادات المعينة على صفاء القلب وسلامة الصدر الصيام الشرعي الذي تضيق معه مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان؛ فيضعف وسواسه، ويقل نفوذه في الجسم؛ يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله: «إن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم؛ فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان، وتنكسر ثورة الشهوة والغضب؛ ولهذا جعل النبي الصوم وجاءً؛ لقطعه عن شهوة النكاح». [لطائف المعارف (ص168)].

ومن الصيام الذي أكّد النبي على أثره في سلامة القلب ونقاء الصدر صيام شهر رمضان، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ فقال عليه الصلاة والسلام: (صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ) [رواه أحمد].

هذه بعض الوسائل الشرعية في معالجة وحر القلوب، وغل الصدور؛ فإذا ما التزم المسلم العمل بها، تحقق له -بإذن الله- ما يصبو إليه من شفاء قلبه وطهارة نفسه وسلامة صدره.

فنسألك اللهم أن قلوباً طاهرة، ونفوساً نقيَّة، ونسألك اللهم أن تسلل سخيمة قلوبناً، وتغفر لنا ولإخواننا ، ولا تجعل في قلوبنا غلاَّ للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

بقلم/

د/ أيمن محمد العمر

الباحث الشرعي بإدارة الإفتاء

 
عدد القراء : 10759