أبشروا وأملوا ما يسرّكم
 

أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ

(أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ) كلمات  قالها نبينا صلى الله عليه وسلم في موقف من المواقف(1)، لكنها تكشف عن منهج نبوي كريم في التفاؤل بالخير، ورجائه، والتبشير به؛ فإن المتأمل لحياته صلى الله عليه وسلم وسيرته وأقواله وأفعاله؛ يلحظ أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب التفاؤل بالخير، والاستبشار والتبشير به؛ فقد روى الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: « كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحسَنَ ، وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ». والطِّيَرَةَ: هي التشاؤم بالشيء. وعند مسلم قال صلى الله عليه وسلم: «... وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ» ، وعند البخاري: « وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ؛ الْكَلِمَةُ الْحسَنَةُ»

ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضاً يقول له: «لاَ بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله» رواه البخاري، وكان من هديه إذا أتاه رجل وله اسم لا يحبه ؛ لكراهة لفظه أو معناه عقلاً أو شرعاً غيّره إلى ما يحبه؛  كما فعل في اسم حرب، ومُرّة، وغيرهما، يقول المناوي رحمه الله تعليقاً على ذلك : « لأنه كان يحب الفأل الحسن، ويعدل عن اسم يتقبحه العقل، وينفر منه الطبع» [التيسير بشرح الجامع الصغير (2/458)].

ويقول ابن بطال رحمه الله :« كان -صلى الله عليه وسلم-  يعجبه تغيير الاسم القبيح بالاسم الحسن على وجه التفاؤل والتيمن؛ لأنه كان يعجبه الفأل الحسن، وقد غيّر رسول الله عدة أسامي» [شرح صحيح البخاري (9/347)].

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم حبّ التيمّن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله ؛ قال الحافظ ابن حجر:« قِيلَ: لأَنَّهُ كَانَ يُحِبّ الْفَأْل الْحسَن؛ إِذْ أَصْحَاب الْيَمِين أَهْل الْجنَّة» [فتح الباري (1/269)]. 

 وفي صلح الحديبية لما أرسل المشركون سهيلَ بنَ عمرو مفاوضاً، قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه :« سَهَّلَ الله أَمْرَكُمْ» [رواه البخاري في الأدب المفرد بإسناد حسن]. وكان يقول : « غِفَارُ غَفَرَ الله لهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا الله» [رواه البخاري ومسلم].

ولما جاءته امرأة من أهل المدينة قد رأت رؤيا محزنة؛ إذْ فيها إشارة إلى وفاة زوجها في سفره، وإلى ولادتها غلاماً فاجراً ـ وكانت حاملاً ـ فبشرها النبي صلى الله عليه وسلم، وأوّلها لها تأويلاً حسناً؛ فقال: «خَيْرٌ؛ يَرْجِعُ زَوْجُكِ عَلَيْكِ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى صَالِحًا، وَتَلِدِينَ غُلاَمًا بَرًّا, فَكَانَتْ تَرَاهَا مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاَثًا كُلُّ ذَلِكَ تَأْتِي رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُ ذَلِكَ لَهَا, فَيَرْجِعُ زَوْجُهَا وَتَلِدُ غُلاَمًا» [رواه الدارمي بإسناد حسن]. وكان يقول: «إِذَا عَبَرْتُمْ لِلْمُسْلِمِ الرُّؤْيَا فَاعْبُرُوهَا عَلَى الخيْرِ، فَإِنَّ الرُّؤْيَا تَكُونُ عَلَى مَا يَعْبُرُهَا صَاحِبُهَا» [رواه الدارمي بإسناد حسن]. وغير ذلك كثير مما يدل على حبه صلى الله عليه وسلم للتفاؤل وحثه عليه .

حتى في أصعب اللحظات والمواقف التي مرّت عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه، تراه صلى الله عليه وسلم متفائلاً بالخير، مؤملاً له ومستبشراً به، ومبشراً أصحابه به، يربّيهم ويعلّمهم أن مع العسر يسراً، وأن الفرج مع الشدة، وأن رحمة الله قريب من المحسنين، ولك أن تتأمل موقفه في الهجرة، وهو مع صاحبه في الغار، وقد أحاط بهما كفار قريش؛ ووقفوا على المكان الذي يختبئان فيه؛ حتى قال الصدّيق للنبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا» فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم بكل ثقة ويقين وحسن ظن في الله عز وجل قائلاً: « مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا» [رواه البخاري ومسلم]. ما أقواها من كلمات، وما أدلّها على الثقة وحسن الظن في الله تعالى، وما أعظمها من تربية على ذلك .

وفي غزوة الأحزاب، لما رمتهم العرب عن قوس واحدة؛ فجمعوا جموعهم، وحزّبوا أحزابهم، والتفوا حول المدينة، عازمين على إبادتها، واجتثاث أهلها، والقضاء على بيضة الإسلام فيها، وكان الحال كما وصف الله عز وجل: ﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 10،11]. كان صلى الله عليه وسلم-والحال هذه- يبشر أصحابه بمُلْك الشام وفارس واليمن؛ فيقول -وهو يكسر الصخرة التي عرضت لهم في حفر الخندق-: «الله أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ،  والله إِنِّي لأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا . ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللهِ وَضَرَبَ أُخْرَى فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحجَرِ فَقَالَ : الله أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَالله إِنِّي لأُبْصِرُ الْمدَائِنَ، وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللهِ وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحجَرِ فَقَالَ : الله أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَالله إِنِّي لأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا». [رواه أحمد والنسائي في الكبرى وحسّن إسناده الحافظ في الفتح (3/397)، وضعفه جماعة].

إن ذلك ناتج من حسن الظن بالله والثقة فيه، واعتقاد أنه سبحانه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، بيده مقاليد الأمور، سبحانه إذا أراد  شيئاً فإنما يقول له : كن، فيكون، فلا يأس، ولا قنوط، ولا استسلام للهموم والأحزان، بل تفاؤل بالخير واستبشار به، ومقارعة لهذه الهموم وتلك الأحزان ، ورحم الله القائل:

                 يا صاحب الهمِّ إنَّ الهم منفرجٌ       أبشِر بخيرٍ فإنَّ الفــارج الله

                 اليأس يقطع أحياناً بصاحبـه        لا تيأسنَّ فإنَّ الكافـــي الله

                 الله يُحدِث بعد العسر ميسـرة       لا تجزعنَّ فإن القاســـم الله

                 إذا بُليت فثِقْ بالله وارضَ بـه       إنَّ الذي يكشف البلوى هو الله

                 واللهِ ما لكَ غير الله من أحـدٍ        فحسبُــك الله في كـلٍ لك الله

حتى في آخر لحظات العمر، والإنسان مقبل على الآخرة ولقاء الله عز وجل، كان أمره الكريم صلى الله عليه وسلم في هذه اللحظات، أن يستبشر بلقاء الله، وبرحمته وبكرمه؛ فيقول: « لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ بِالله الظَّنَّ» [رواه مسلم].

إن هذا المنهج النبوي الكريم ما هو إلا تطبيق لمنهج القرآن العظيم، وسيرٌ على خطى الأنبياء والمرسلين في عدم اليأس والقنوط لاسيما عند نزول الشدائد وحصول المصائب،  بل الفرح والاستبشار وحسن الظن بالله عز وجل؛ فحينما خاطبت الملائكة إبراهيم عليه السلام -وقد بشرته بغلام عليم- قائلة: ﴿ قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾؛  أجابهم في عزم ويقين: ﴿ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 55،56].

وحينما أرسل يعقوب أبناءه للبحث عن يوسف وأخيه في مصر قال لهم:  ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ الله إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ الله إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]. قال قتادة: ﴿مِنْ رَوْحِ الله﴾ أي من رحمة الله. [انظر: تفسير الطبري:16/233]. وكانت العاقبة كما هو معلوم.

 ولما أتبع فرعون وجنوده موسى عليه السلام وقومه، وقال قومه له: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ كان جوابه قاطعاً؛ حيث قال: ﴿ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61،62]. وكانت العاقبة أيضا كما هو معلوم، وصدق الله العظيم إذْ يقول في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي» [رواه البخاري ومسلم].

كم هي رائعة تلك الشريعة التي تحث أصحابها والمنتمين لها على التفاؤل دائماً، والاستبشار بالخير، ورجائه، ومطاردة الهموم والغموم، ومقارعة الأحزان، حتى في أحلك المواقف، وأصعب الظروف، والذي يتأمل نصوصها يجد ذلك واضحاً جلياً، وما أسلفناه إنما هو غيض من فيض.

لكن مع ذلك نقول: لابد من الأخذ في الاعتبار، الأخذ بالأسباب التي تدفع الأذى، وترفع البلاء؛ من إحداث توبة وإقلاع عن معصية، ودعاءٍ، واستغفار، وتقوى، وعمل صالح، وتداوٍ، وأخذ بأسباب النجاح والفلاح والنصر، وتصورٍ للأمور على حقيقتها؛ لدفع ضررها والانتفاع بخيرها... إلخ ، فليس من اللائق أن يُحْسن العبد الظن بخالقه ويرجو رحمته وكرامته، وفي الوقت ذاته هو مقيم على معصيته، منتتهك لحرماته، أو كسول متخاذل، مهمل للأسباب التي شرعها الله عز وجل وأمر بالأخذ بها، فهذا ليس تفاؤلاً، بل هو جهل بالله عز وجل وشرعته وسننه الكونية؛ فقد قال الله عز وجل عن يونس عليه السلام: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143، 144].  وقال أيضاً: ﴿ فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: 98]. وكما قال معروف الكرخي رحمه الله: «رجاؤك رحمة من لا تطيعه من الخذلان والحمق». [انظر: الجواب الكافي لابن القيم:15].

أسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم بهذه الكلمات، وأن يلهمنا صوابنا ورشدنا، وأن يسددنا على طريق الهدى والرشاد إنه سبحانه ولي ذلك ومولاه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

بقلم/

أحمد عبد الوهاب سالم

الباحث بإدارة الإفتاء

 

 

 



(1) وذلك لما بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلاَةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ، انْصَرَفَ فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ حِينَ رَآهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ؟ قَالُوا : أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : أَبْشِرُوا ، وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ ...» رواه أحمد وابن ماجه واللفظ له.

 
عدد القراء : 25750