لا تنشرها ولك الأجر..!!
 

لا تنشرها ولك الأجر

ما إن يتفقَّد أحدُنا بريدَه الإلكتروني، أو رسائلَ هاتفه النقَّال، حتى يجدَه قد مُلىء بمجموعة من الرسائل الإلكترونية تشدُّ الانتباه والفضول بعناوينها.

لماذا مشى النبي على أطراف أصابعه؟!!

هل تريد مليون حسنة؟!!

لا تدع هذه الرسالة تقف عند بريدك..!!

انشرها ولك الأجر..!!

إلى غير ذلك من العناوين المتنوعة والكثيرة.

وعندما يقرأ المرءُ مضمونَ تلك العناوين يجد أنها تحتوي على أحاديث وآثار منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ يُذكر فيها أجرُ من عمل عملاً ما! أو قصةٌ حدثت مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو دعاءٌ طويلٌ .

وعندما الانتهاء من قراءة هذه الأحاديث والأدعية الواردة إليه، تراه يسعى جاهداً لنشرها إلى غيره؛ إما عن طريق المنتديات الحوارية، أو الرسائل الإلكترونية، أو أجهزة النقال، من غير تأمُّل لألفاظها ومعانيها؛ ظنًّا منه أنه يخدمُ الإسلامَ، وأنه يُحسنُ صُنعاً بنشر الخير ، وتعاليم نبي الهدى عليه الصلاة والسلام. وما درى المسكينُ أنها معول هَدمٍ للدين، وسلاح فتَّاكٌ في يد الضُّلاَّل المارقين.

لا شك أن تبليغ العلم والخير بحدِّ ذاته مقصدٌ شرعيٌّ مطلوبٌ من كل مسلم فعله؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي هَذِهِ فَحَمَلَهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه]. ويقول عليه الصلاة والسلام: (مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ) [رواه أحمد وأبو داود].

لكنَّ النيَّة وحدَها لا تكفي إن لم يقترن بها عمل صحيح مطابق لما عليه الشرع الحنيف؛ لأن النية الصالحة لا تُصلح العملَ الفاسد، والله لا يقبل عملاً حتى يكون خالصاً صواباً.

ولذا ينبغي على المسلم المحبِّ للنبي صلى الله عليه وسلم أن ينقل عنه الصحيح من قوله، أو فعله، أو تقريره، أو صفته؛ لأن الأحكام والتشريعات إنما تؤخذ من الصحيح لا من الضعيف أو الموضوع المكذوب.

ومن تأمل الغالب من هذه الراويات والقصص يجد أنها ركيكة المعنى، هزيلة العبارة، بل يجدها أحياناً تشتمل على ما يناقض ويعارض أصول الدين الثابتة من القرآن أو السنة، وهنا يشتم البصير منها رائحة الدَّسِّ والكذب. وما إن يرجع إلى مصادر السَّنة المعتبرة حتى تتكتشف له الصورة، وتتجلى الحقيقة، فيدرك أن ما قرأه مما لا أصل له، أو أنه من قائمة الضعيف والمكذوب، أو مما ملئت به كتب القصّاصين من غير إسناد يُبيِّن مصدره وقائله.

ومن هنا ينبغي على العاقل الغيور المحبِّ للنبي صلى الله عليه وسلم، والناصر لدينه الذي أرسله الله به أن يُحذِّر أولئك الذين يتناقلون تلك الرسائل من خطورة بثها بين الناس؛ حتى لا يكون ممن توعّدهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) [متفق عليه].

وقد يقول قائل: أنا لم أتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني أردت نقل ما في هذه الروايات من الخير، ولا أعلم إن كان كذباً أو صدقاً.

والجواب: أن الأحكام الشرعية المنقولة عن الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم، الأصل فيها التوقيف؛ أي أن يقف الإنسان عند مورد النص الشرعي الثابت؛ لذا ينبغي تحرّي الحق فيما يُنقل من تلك النصوص، لا سيما ونحن في زمن قد كثر فيه الكذب على الشرع.

ولقد شدَّد النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة، وبيَّن عاقبة من اتبع سبيل أولئك الذي يُقحمون في الدِّين ما ليس منه، ويتقوّلون عليه صلى الله عليه وسلم ما لم يقله؛ ففي صحيح ابن حبان ذكر فصلاً في إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو غير عالم بصحته، ثم ساق بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) [رواه ابن حبان بسند حسن].

وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم هذا التحذير النبوي، وعملوا بمقتضاه؛ فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه توقَّف فيما أخبره به أبو موسى الأشعري رضي الله عنه من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ) [متفق عليه]، فجعل يهدد أبا موسى أنه سيوجعه ضرباً إن لم يأت ببيِّنة على قوله الذي نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقام ليشهد معه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، فلما شهد على ذلك قَبِل منه ذلك الخبر؛ فهذا يؤكد خطورة التقوّل على النبي صلى الله عليه وسلم، وضرورة التحوّط فيما ينقله الإنسان من الأحاديث.

ومن تأمل أقوال الأئمة من بعد الصحابة رضوان الله عليهم يدرك أنَّ هذا التحوَّط منهج سديدٌ، اتفق عليه سلف هذه الأمة؛ حماية لجانب الدِّين، ووقاية له مما قد يُدَسُّ فيه من الشوائب والخرافات.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعليقاً على حديث (من كذب عليَّ متعمداً...) : «ومن حدَّث عن كذاب لم يبرأ من الكذب» [الرسالة ص 369].

ويقول ابن سيرين رحمه الله: «اتقوا الله يا معشر الشباب! وانظروا عمن تأخذون هذه الأحاديث؛ فإنها دينكم » [الجرح والتعديل 2/15].

* كيف يمكننا تمييز الحديث الضعيف أو الموضوع من غيره؟

لا شك أن للحديث غير الصحيح بعض الدَّلالات والأمارات التي يمكن من خلالها أن يستشعر القارئ عدم صحته؛ فيدفعه ذلك إلى التحري والبحث قبل نشره، ومن ذلك:

1) الركاكة في متن الحديث؛ سواء من حيث اللفظ، أو المعنى؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس بلاغة، وأفصحهم لساناً؛ فلا يتصور أن يصدر منه لفظ أو معنى ركيك.

2) أن يكون سياق الرواية غاية في الطول؛ وهي وإن كانت علامة غير مطّردة، إلا أن غالب أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تمتاز بأنها قليلة اللفظ، غزيرة المعنى؛ لا سيما إذا علمنا أن من خصائصه عليه الصلاة والسلام أنه أوتي جوامع الكلم.

3) أن يكون الحديث مخالفاً للقضايا المقررة في الدين؛ كأن يكون مخالفاً للنص من القرآن الكريم، أو غيره من الأحاديث الصحيحة الصريحة، أو مخالفاً للعقل ولا يقبل التأويل، أو اشتمل على أمر يدفعه الحسُّ والمشاهدة، أو الواقع التاريخي.

4) أن يكون الحديث قد تضمن الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير والفعل الحقير.

5) أن لا يعرف للحديث المنقول راوٍ من الصحابة ، ولا لمصدر معتدٍّ به من مصادر الحديث.

* كيف يمكننا التأكد من صدق الحديث أو كذبه؟

إن أفضل طريقة للتأكد من صدق الروايات أو كذبها يكون بالرجوع إلى أهل الاختصاص من أساتذة الشريعة وطلاب العلم، أو بالرجوع إلى المصادر التي دونت السنة النبوية؛ فمن المصنفات ما اعتنى بذكر الأحاديث الضعيفة والموضوعة المشتهرة على ألسنة الناس؛ ومن أمثلتها: "الموضوعات" للإمام ابن الجوزي، و"تمييز الطيب من الخبيث" لابن الديبع الشيباني، و"المقاصد الحسنة" للإمام السخاوي، و"اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" للإمام السيوطي، و"كشف الخفاء ومزيل الإلباس" للإمام العجلوني، "صحيح" و"ضعيف" الجامع الصغير، و"السلسلة" الصحيحة والضعيفة، وهذه الأخيرة كلها للشيخ الألباني، إلى غير ذلك من الكتب والمصنفات ، وهي متوفرة ومطبوعة بحمد الله تعالى.

بل إن من تيسير الله تعالى وحفظه لهذا الدين أن يسّر الوصول إلى معرفة الكثير من علوم الشريعة بما أخرجته الصنعة البشرية من برامج الحاسب الآلي التي اشتملت على آلاف المجلدات في مختلف علوم الشريعة، بالإضافة إلى بعض مواقع الشبكة العنكبوتية التي اعتنت بكشف زيف هذه الروايات وبيان الأباطيل التي يتناقلها الناس.

وأخيراً؛ وبعد هذا الفيض من مصادر التوثيق لم يبق لها عذرٌ في نقل حديث مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم، أو نشر الباطل وهدم الدين؛ فلنحرص على التحذير من مثل هذه الأكاذيب ونبين بطلانها، ولنعمل على وئدها في مهدها، وعدم نشرها حتى نؤجر إن شاء الله تعالى.

 

بقلم:

د. أيمن محمد عمر العمر

الباحث الشرعي بإدارة الإفتاء

 
عدد القراء : 5386