الملكة الفقهية (2/2)
 
الملكة الفقهية* (2/2)
تحدثنا في المقالة السابقة عن المنهج العلمي الذي ينبغي أن يسير عليه طالب الفقه كخطوة من خطوات تكوين الملكة الفقهية، وفي هذه المقالة نتناول المرحلة الثانية من مراحل التكوين ، وهي مرحلة التنمية من خلال التطبيق والممارسة لحل مشكلات الواقع الذي يعيشه الفقيه .
* كيف يمكن تنمية الملكة الفقهية؟
إذا كان تكوين الملكة الفقهية يحتاج إلى أركان ثلاثة: المتفقه والمعلم والمنهج, فإن تنمية هذه الملكة - لِتحصل على أتم وجه- تحتاج إلى الممارسة العلمية، ووضع المتفقه أمام مشكلات عصره، ومحاولة تقويم طريقته في علاج تلك المشكلات.
فبعد أن مرَّ بفترة من التأهيل النظري نحتاج إلى وضعه في مواجهة الواقع, لنربي عنده ملكة الاجتهاد الجزئي، ويمكن تحقيق ذلك من خلال:
 
1- تكليفه ببحث مسألة من المسائل، ودراستها دراسة متأنية, وهنا نقف على مدى إمكانياته, ولا يتم ذلك قبل التأهيل؛ لأننا نعاني في هذا الزمان من قلة الصبر, واستعجال قطف الثمار قبل نضوجها.
 
2- تعويده الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ فيعرف المصلحة الشرعية المعتبرة ومتى يقدّمها, ومتى يدرأ المفسدة قبل جلب المصلحة, وهذه تطبيقات فقهية لازمة, وله أن يستأنس بكتاب «قواعد الأحكام في مصالح الآنام» للعز بن عبد السلام, فإنه من أفضل ما سُطّر في هذا الباب، وأيضاً يستفيد في هذا الجانب النظري من كتاب «ضوابط المصلحة» للبوطي.
 
3- تعويده طُرق الجمع بين الأدلة التي تبدو مختلفة عند الوهلة الأولى, ومن أفضل ما يستعين به في ذلك كتاب «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة.
 
4- تعويده الحوار الفقهي وقراءة المناظرات الفقهية التي تقوي الملكة عنده, ولكن يحذر هنا من التعصب أو الجدل البيزنطي الممقوت, بل يناقش بدليل, لا ينتصر لمذهب إلا سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم, ولا ينتقص من مخالف, بل يقول دائماً: «قولي صواب يحتمل الخطأ, وقول مخالفي خطأ يحتمل الصواب».
 
5- ومما يقوي الملكة الرحلة إلى العلماء, والاستكثار منهم, فكلما زاد شيوخه اتسع علمه.
* آفات الملكة الفقهية:
ينبغي لطالب العلم والفقه في الدين أن يحذر من الآفات التي تحول دون تحقيق الملكة الفقهية, فيذهب جهده سدى وينتقض غزله من بعد قوة أنكاثاً.
ويمكن تقسيم هذه الآفات إلى:
 
·          آفات خلقية ونفسية.
 
·          وآفات منهجية.
فأما الآفات الخلقية والنفسية, فمن ذلك:
أولاً: الكبر والعجب:
فإنه داء يصيب كل متعلم لم يخلص وجهه لله من بادئ أمره, وقد قال صلى الله عليه وسلم: «الكبر بطر الحق وغمط الناس», ولا يزول ذلك إلا إذا عرف المرء حقارة نفسه, وهنا يأتي دور العالم المربِّي ليقوّم اعوجاجه, ثم عليه أن يتحلى بالصبر على ذل التعلم؛ لأنه أكثر شيء فائدة للمتعلم لو كان يدري.
فعلى المتعلم أن يحذر من التعلم لحظوظ النفس, كأن يناظر للغلبة لا لمعرفة الحق, وكتحصيل علوم يتجمل بها في المحافل ويتعالى بها على الأقران, ونحوه مما يضيع العلم ويثير الأحقاد.
ثانياً: الغرور:
وهو أن تسكن النفس إلى ما يوافق هواها وتميل إليه بطبعها.
والمغرور يتحدث عن نفسه دائماً, بل ربما يظهر نفسه بإلحاق التهم بأقرانه, والغرور يحجب طالب العلم عن الزيادة في الطلب, فيظن أنه قد انتهى إلى ما لن يصل إليه غيره, ويمنعه من سماع النصيحة.
والمغرور يثير حوله من العداوات ما يتلف به قلبه والعياذ بالله.
ثالثاً: الحسد:
الذي هو تمني زوال النعمة عن الغير, وهو خلق ذميم, يفسد الجنان، ويردي الإيمان.
والحسد يدب بين خلان الدنيا الذين يطمعون في حطامها الزائل, أما أهل الآخرة فبمعزل عن ذلك.
والحسود – عادة – لا يسود, لأنه ينشغل بحاسده عن العلم وتحصيله فتضعف ملكته, وتسخطه يزيله عن العلم, وينفر الناس منه.
وأما المعوقات المنهجية, فمنها:
 
أولاً: الغفلة عن النصوص الشرعية الثابتة, والتفسير الخاطئ للنص الشرعي:
وعادة ما يكون ذلك بسبب التصدر قبل التأهل, والتزبب قبل التحصرم.
ثانياً: التقليد والتعصب والجمود:
وكل منها يؤدي إلى الآخر, والتقليد هو اتباع الإنسان غيره فيما يقول أو يفعل, معتقداً الحقيقة فيه من غير نظر وتأمل في الدليل, أي أنه يتبع قول غيره بدون حجة أو دليل.
والتعصب مذموم, والجمود يشلّ ملكات الإنسان, ويجعله في بوتقة لا يتجاوزها، فتضعف قدراته.
ثالثاً: الالتزام بحرفية النصوص, وعدم النظر إلى مقاصد الشريعة:
ولذلك، فإن الفقه الظاهري عاداه أهل العلم، ورأوا فيه انحرافاً عن الجادة, رغم أن الناظر في كتاب كـ «المحلى» لابن حزم لا يرى سوى نصوص من كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وقول صحابي أو تابعي, وهذا كله جيد, لكن للأسف عدم الأخذ بأصول منهج السلف في الاستدلال جعله يخرج علينا بأقوال شاذة معروفة.
رابعاً: الغلـو:
والغلو يعني مجاوزة الحد ، وهو أن يبالغ المرء ويتجاوز ما هو مطلوب شرعاً, فكم من آراء شذت بسبب الغلو والتشدد حتى كأن الناظر فيها يظن أن أصحابها لا يرون الأحكام الشرعية إلا حراماً وواجباً . فآل رأيهم إلى الهجران واستحال علمهم إلى النسيان.
 
فيا أيها المتفقه!
هل لنا أن ننشد فيك بغيتنا غداً؟
أسأل الله أن يختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين.
 * هذه المقالة مختصرة عن مقالة الشيخ محمد حسين يعقوب (الملكة الفقهية)
 
عدد القراء : 4868