الملكة الفقهية (1/2)
 
الملكة الفقهية* (1/2)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد :
فلا يكاد المرء في هذا الزمان الذي تسارعت أيامه أن يدرك حجم الأزمات الفقهية والإشكالات الشرعية التي يمر بها المسلمون ، لا سيما مع تطور العلوم التجريبية والاكتشافات العلمية، الأمر الذي تولد عنه في كثير من الأحيان صراع فكري وجدل فقهي بين علماء الشرعية من جهة ، وأهل العلوم التجريبية وأصحاب النظريات العلمية من جهة أخرى .
ولك أن تتصور هذا الصراع من خلال بعض القضايا التي يتكرر فيها ذلك النزاع ؛ كقضية "نقل الأعضاء"، و"الاستنساخ"، و "اعتماد الفلك في رؤية هلال رمضان" ، ناهيك عن القضايا الاقتصادية التي تتعلق بالبنوك والأسواق المالية ، إلى غير ذلك من الصراعات العلمية .
ولعل من أهم الأسباب التي أدت إلى مثل هذا الصراع افتقار الأمة للفقيه الذي يجمع بين قراءة النص وقراءة الواقع .
إن دين الإسلام حثنا على التفقه في دينه، كما قال تعالى  {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [ التوبة: 122]
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الفقه في الدين مناطاً للخير الذي يصيب العبد؛ "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"  [أحمد وصححه الألباني].
ولو تأملنا حقيقة معنى الفقه لرأينا أنه يرتفع عن مستوى حفظ المسائل أو استحضارها ، إلى مستوى امتلاك القدرة على ما يسمى اصطلاحاً بــ "تحقيق المناط"، أو القدرة على تجريد النص من قيد الزمان والمكان، والاجتهاد في تنزيله على واقع الناس، ومعالجته لمشكلاتهم.
فالفقه إدراك عميق لمقصود الشرع ، مع الإلمام بالواقع عن طريق معرفة الأسباب والسنن الربانية الكونية، واستيعاب حقائق الماضي . وهو ما يمكن إن يطلق عليه بـ (الملكة الفقهية).
لا شك أن الملكة الفقهية منَّة وهبة من الله تعالى يرزقها العبد، إلا أنها ليست صفة حسية مادية تخلق في الإنسان عند ولادته ، وإنما هي نور يهبه الله لمن يشاء من عباده؛ قال تعالى: )والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون( [النحل:78]. ولذا فإن على العباد تغذيتها وتنميتها بالاكتساب عن طريق الإحاطة بمبادئ العلوم والإلمام بقواعدها ، يقول الإمام مالك رحمه الله : "ليس الفقه بكثرة المسائل، ولكن الفقه نور يؤتيه الله من يشاء من خلقه". فحصول هذه الملكة يحتاج إلى نوع من الدربة والتدرج في التلقين والتعليم.
إن الملكة في معناها اللغوي تدور حول الدلالة على القوة والرسوخ, ومعناها في اصطلاح أهل العلم ليس بمنأى عن ذلك؛ فقالوا: هي "صفة راسخة في النفس"، وهذه الصفة تعين الإنسان على سرعة البديهة في فهم الموضوع.
وعلى هذا، فإن صاحب الملكة الفقهية من يكون الفقه له سجية، وعنده قوة يقتدر بها على استنتاج الأحكام من مآخذها. وهذه الملكة لها أنواع:
فمنها: الفقه, وهو غريزة لا تتعلق بالاكتساب, وتورث صاحبها شدة الفهم لمقاصد الكلام.
ومنها: القدرة على استحضار الحكم الشرعي العملي في مظنته الفقهية.
ومنها: القدرة على استنباط هذا الحكم الشرعي عن طريق التضلع بالعلوم الشرعية وعلوم اللغة مما هو ضروري للاجتهاد.
ومنها: القدرة على تخريج الفروع على الأصول والترجيح بين الآراء.
وقد يعبر عن هذه الملكة بــ"البصيرة" أو"الحكمة" أو"الاجتهاد"، وبينهم من التداخل والتباين ما بينهم, والفقيه المطلوب – والذي نرجوه – هو الذي تجتمع له كل هذه الأنواع من الملكات, لأنه بحاجة إلى مجموعها.
- كيف تكوّن هذه الملكة؟
لتكوين الملكة الفقهية شروط هي:
أولاً: الاستعداد العقلي, والقلبي, والشخصي للمتفقه:
* فأما استعداده العقلي: فينبغي أن يكون المتفقه ذكياً, قوي المدارك, يعرف مقتضى الكلام ومعناه, عنده ملكة جيدة في الحفظ والاستذكار, ولذلك كانوا يبدأون بحفظ القرآن لصقل هذه الملكة عند طالب العلم, وليعتاد ذلك منذ الصغر, فضلاً عن النور الذي يبعثه القرآن في صدره.
* وأما استعداده القلبي والخلقي: وهو أن يكون المتفقه صافي النفس من أدران الدنيا وشوائبها, مخلصاً طلب الحق والمعرفة, عدلاً يجتنب المعاصي ويلتزم بالطاعات, متحلياً بصفات المروءة.
* أما استعداده الشخصي: وهو أن يكون لدى المتفقه علواً في الهمة ، وصبراً على ذل التعلم ، ومثابرة وجدٍّا؛ فهو لا يترك لحظة دون تعلم, وتعاهد بالحفظ والمذاكرة المستمرة.
ثانياً: المعلم الحاذق القدوة:
لا شك أن وجود المعلم المربي من أركان هذا البناء, فنحن في حاجة إلى شيخ متقن لعمله, متمكن فيه, ملم بآفات النفوس، ويحسن تهذيبها, ومن شرطه:
1-  أن يكون معروفاً بالديانة والستر والصيانة، حتى ينشأ المتفقه على ما رباه عليه أستاذه بحاله قبل مقاله. قال محمد بن سيرين: « إنما هذا العلم دين, فانظروا عمن تأخذون دينكم » [مقدمة صحيح مسلم 1/14].
2-  أن يكون بصيراً بطريقة التلقين والتعليم بحسب مرحلة الطالب وقدرته, ماهراً في عرض المادة العلمية, لديه القدرة على الإيضاح بوسائل شتى, عاملاً على صقل مواهب تلاميذه.
ثالثاً: اتباع منهج علمي أصيل:
من المقومات الأساسية للملكة الفقهية وجود منهج دراسي أصيل يتلقاه المتفقه في مراحل دراسته, ويتمثل في العلوم الأساسية التي ينبغي له أن يدرسها وهي:
1-    معرفة القرآن وعلومه:
فالقرآن أقوى شيء في تكوين الملكة الفقهية وبناء الأخلاق والنفوس. قال الشاطبي – رحمه الله -:« إن الكتاب قد تقرر أنه كلية الشريعة, وعمدة الملة, وينبوع الحكمة, وآية الرسالة ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه, ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه, وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه, لأنه معلوم من دين الأمة, وإذا كان ذلك، لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة, وطمع في إدراك مقاصدها، واللحاق بأهلها أن يتخذه سميره وأنيسه, وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي, نظراً وعملاً, لا اقتصاراً على أحدهما, فيوشك أن يفوز بالبغية, وأن يظفر بالطلبة, ويجد نفسه من السابقين وفي الرعيل الأول» [الموافقات 3/346].
فعلى المتفقه أن يحفظ القرآن الكريم أولاً وقبل أي شيء آخر، ويتقن تلاوته, فيعلم بعلم التجويد, ولا يتعجل ويرمي إلى دراسة الفقه وعلومه قبل أن يكون أتم حفظ القرآن الكريم. ثم ينهل من معين علومه قسطاً، فيعرف الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، والقراءات القرآنية..
2-    معرفة السنة وعلومها:
السنة النبوية هي الأصل الثاني للتشريع ، وهي أحد الوحيين ، ولذا لا يمكن الاستغناء عنها في أي مرحلة من مراحل الطلب والتفقه ، فيبدأ بحفظ بعض المتون المختصرة كـ "الأربعين النووية" ونحوها ، ثم " عمدة الأحكام" ، ثم " بلوغ المرام" ليتسع محصوله من السنة شيئاً فشيئاً.
وعلى طالب العلم أن يبدأ في التعرف على كتب السنة وطرق مصنفيها ليعرف كيفية استخراج الحديث من هذه الكتب. وينبغي أن تمتد الصلة إلى شروح السنة والانتفاع بما فيها من علم غزير .
ومن لوازم العلم بالسنة الإلمام بعلوم الحديث, فيعرف "أسباب ورود الحديث"، و"الناسخ المنسوخ", و"الجرح والتعديل", يلم من ذلك بطرف.
3- معرفة علوم اللغة:
ينبغي للمتفقه أن يلم بعلوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة وأدب ليتمكن من فهم نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية حق الفهم.
يقول الإمام الشاطبي: «الشريعة عربية, وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم لأنهما سيان في النمط ما عدا وجوه الإعجاز, فإذا فرضنا مبتدئاً في فهم العربية فهومبتدئ في فهم الشريعة، أومتوسطاً فهومتوسط في فهم الشريعة، والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية, فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة، فكان فهمه فيها حجة كما كان فهم الصحابة وغيرهم – من الفصحاء الذين فهموا القرآن – حجة, فمن لم يبلغ شأوهم فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم, وكل من قصر فهمه لم يعد حجة, ولا كان قوله فيها مقبولاً, فلابد من أن يبلغ في العربية مبلغ الأئمة فيها كالخليل وسيبويه والأخفش والجرمي والمازني ومن سواهم» [الموافقات 4/115].
4- دراسة الفروع الفقهية:
وهي دراسة الفقه بمعناه التشريعي, ومعرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.
والمتفقه ينبغي أن يتدرج في تلقيه للفقه فيبدأ بالمختصرات, ثم بعد ذلك يبدأ في التوسع مرحلياً فينتقل إلى مرحلة التوسط ، ثم مرحلة الاستقصاء والانتهاء , وفي جميع هذه المراحل لا بد له من مصاحبة شيخ حاذق يقوده لحل المبهمات ويستثير فيه كوامن النباهة.
وينبغي على طالب العلم ألا يتعدى مرحلة دون أن يصل إلى رسوخ القدم فيها, ولا عليه أن يتعرض للفقه المقارن في البداية, فإنه مدعاة لتشويش ذهنه بالخلافيات.
5- الإلمام بعلم أصول الفقه والقواعد الفقهية:
وهذا أهم العلوم للفقيه, وهو الآلة التي يتوصل بها للاجتهاد, وهذه الدراسة تكون بعد أن يلم طالب العلم بمختصر من المختصرات الفقهية, وبعد أن يلم بطرف من العلوم اللغوية إذ عليهما يستند.
والفائدة التي تعود على المتفقه من تعلمه الأصول أن ينمي ملكته، فتبدأ في حصر المتفرقات وضبطها, وتربى عنده ملكة الاستنباط, وتبصره بطريقة التعامل مع النصوص لاستخراج الحكم الفقهي.
6- معرفة مقاصد الشريعة الإسلامية:
ونعني بها: المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية، ومن المعلوم أن المتفقه لا يدرك ذلك إلا بعد أن يغوص في العلوم الشرعية حتى يبدأ فهم سنن الله الكونية والدينية, ويستصحب ذلك، فيعينه على الترجيح بين الأدلة المتعارضة والجمع بينها, ورد المتشابه إلى المحكم, وقراءة الواقع وتدبّره وفق أصول صحيحة, وكم من مسائل فقهية لا يمكنك أن تنتهي فيها إلى رأي جازم دونما استصحاب هذه المقاصد الشرعية.
ولكن ما ينبغي التنبيه إليه أن إحاطة المتفقه بهذه المقاصد على الوجه المرجو لا تكون إلا بعد رسوخ قدمه في العلوم الشرعية.
7- فهم الواقع المعاصر:
لابد للمتفقه أن يكون ملماً بواقعه المعاصر, مدركاً للتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحدث في زمانه, ولا يجوز له بحال من الأحوال تجاهلها, لأنه حينئذ لن يكون محيطاً بفقه الواقعة, فيصعب عليه أن ينزل النص على هذا الواقع الذي يجهله, وهنا تزل أقدام وتدحض أفهام.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : "ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجر فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله " إعلام الموقعين (1/69).
ومما ينبغي التنبه إليه ضرورة أن تكوين الملكة الفقهية لا يتوقف عند حدود التحصيل والطلب والمذاكرة ، بل إنه الأمر يحتاج إلى ركن آخر لا يقل في أهميته عن ركن الطلب ، ألا وهو الممارسة والتطبيق العملي لحل المشكلات ، وتقويم أساليب علاجها ، والتي يمكننا تسميتها بـ (مواجهة الواقع).    يتبع ...
* هذه المقالة مختصرة عن مقالة الشيخ محمد حسين يعقوب (الملكة الفقهية).
 
عدد القراء : 15182