تتبع الرخص
 
تتبُّـع الرُّخـص
لقد تميزت شريعة الإسلام عما سبقها من الشرائع بمزايا كثيرة , وانفردت بأمور لم تكن لغيرها من الشرائع, وقد أشار القرآن الكريم إلى شيء من هذا التميز وذاك التفرد فقال الله تعالى عن نبي الإسلام r: ) يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ...(الآية(1), وأشار إلى ذلك رسول الإسلام r فقال: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا...)(2) .
وإن من أجلّ وأجمل ما تميزت به شريعتنا الغراء أنها جاءت سهلة سمحة تراعي المصالح وتدفع المشقة وترفع الحرج وتزيل الضرر فلا مكان فيها للتشدد أو العنت أو المشقة, فالمشقة تجلب التيسر، والأمر إذا ضاق اتسع، والضرر يزال، والضرورات تبيح المحظورات, والحرج مرفوع... وغير ذلك من القواعد الجليلة التي قعَّدتها وأصَّلتها شريعة الإسلام, وقد تضافرت على ذلك نصوص القرآن والسنة؛ فقال الله تعالى: )وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ((3)، وقال أيضاً: )يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ((4)، وقال أيضاً : )يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا( (5)، ويقول النبي r: (بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ)(6)، ويقول أيضاً : (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ...)(7)، ويقول أيضاً: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِى مُعَنِّتًا وَلاَ مُتَعَنِّتًا وَلَكِنْ بَعَثَنِى مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا )(8). ومن هنا جاءت الشريعة مشتملةً على التخفيف والتيسير ورفع الحرج وإقرار الرخص لمن احتاج إليها, بل أخبر النبي r أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه(9). ومن ثمّ لا تكاد تجد كتاباً من كتب أصول الفقه إلا وعقد للرخصة باباً مستقلاً بيّن فيه شروطها وضوابطها وأحكامها.
إذاً الرخص الثابتةُ بنصوص الشرع لا إشكال في مشروعيتها والإتيان بها عند الحاجة إليها, بل هي تنسجم مع مقاصد الشريعة ومحاسنها, غير أن هذه الرخص ليست هي مقصودنا من هذه المقالة؛ إذ لا إشكال فيها, وإنما قدَّمنا بها حتى لا تلتبس الأمور وتختلط المفاهيم. وإنما المقصود هنا هو تناول قضية تتبع رخص المذاهب, وزلات العلماء التي جاءت نتيجة لاجتهاداتهم, بمعنى أن يبحث المستفتي عن الرخص ويطلب الأيسر له والأهون عليه في كل قول مذكور أو مذهب منقول؛ فيلتقط الأيسر والأخف في كل مسألة وإن كان مخالفاً للأدلة النقلية الصحيحة , أو الأقوال المعتبرة ، بل ولو كان شاذًّا غريباً؛ اتباعاً لهواه وشهوته وإرضاءً لنفسه وهروباً من التكاليف الشرعية وتخلصاً من المسئولية, فهذا بلا شك يصطدم مع مقاصد الشريعة وأصولها؛ لأن الشريعة إنما جاءت لتضبط سلوكيات الناس وتحكم أهواءهم وتهذّبها, بحيث تصبح خاضعةً لأحكام الشرع وتعاليمه, ممتثلةً لأوامره ونواهيه وضوابطه, لا للأهواء والشهوات والرغبات فيأخذ ما يشاء ويترك ما يشاء, كما أن فيه تحللاً من ربقة التكاليف كما يقول الإمام الشاطبي رحمه الله وهو يتكلم عن ذلك: «فإنه مؤدٍّ إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها؛ لأن حاصل الأمر مع القول بالتخيير أن للمكلف أن يفعل إن شاء، ويترك إن شاء وهو عين إسقاط التكليف»(10).
ولذا عدَّ بعض العلماء من يفعل ذلك فاسقاً(11)؛ لأنه بذلك يهدم منظومة الأوامر والنواهي الشرعية, ويجحد حق الله في العبادة, ويجعل أحكام الدين سيّالة لا انضباط فيها, ولا شك أن هذا يفضي إلى الاستهانة والتلاعب بالدِّين وأحكامه، ولذا حكى غير واحد من أهل العلم كابن حزم وابن عبد البر وغيرهما إجماع العلماء على تحريم هذا الفعل(12), ومن ثمَّ جاءت عبارات العلماء شديدة ومشنّعة على من يفعل ذلك :
يقول الإمام الأوزاعي رحمه الله: « مَنْ أَخَذَ بِنَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ خَرَجَ مِنَ الإِْسْلاَمِ » (13).
ويقول ابن حزم رحمه الله: « قال سليمان التيمي: لَوْ أَخَذْتَ بِرُخْصَةِ كُل عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ»(14).
ويقول الإمام أحمد رحمه الله: « لَوْ أَنَّ رَجُلاً عَمِل بِكُل رُخْصَةٍ: بِقَوْل أَهْل الْكُوفَةِ فِي النَّبِيذِ، وَأَهْل المَدِينَةِ فِي السَّمَاعِ، وَأَهْل مَكَّةَ فِي المُتْعَةِ، كَانَ فَاسِقًا »(15).
وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: « مَنْ حَمَلَ شَاذَّ الْعُلَمَاءِ حَمَلَ شَرًّا كَبِيراً »(16).
ودخل القاضي إسماعيل –يوماً– على المُعتضد العباسي، فرفع إليه الخليفة كتاباً وطلب منه أن ينظر فيه وقد جمع فيه صاحبه الرُّخصَ من زَلَل العلماء، فقال له القاضي المذكور –بعد أن تأمَّله-: « مُصَنِّفُ هَذَا زِنْدِيقٌ »، فقال: ألمْ تصِحَّ هذه الأحاديث؟ قال: بلى، ولكن من أباح المُسكر لم يُبح المُتعة، ومن أباح المُتعة لم يُبح الغِناء والمُسكر، وما من عالمٍ إلا وله زلَّة، ومن جمع زلَلَ العلماء ثم أخذ بها ذهب دينُه، فأمر المُعتضد بإحراق ذلك الكتاب (17).
وعلى ذلك تضافرت نصوص العلماء وأقوال الفقهاء؛ تحذيراً من هذا المنزلق الخطير, وذلك الباب الذي لبّس به إبليس على كثيرٍ من الناس حتى زين لهم ترك الواجبات وانتهاك المحرمات تعلقاً برخصةٍ ساقطة الاعتبار أو بقول زائف شاذٍ أفتى به فلان من العلماء, وأن العهدةً عليه إن أصاب وإن أخطأ, وأنهم لم يأتوا به من عند أنفسهم , في حين أن هذا العالم أو ذاك المفتي لو وقف على شذوذ هذا القول وعدم صحته وظهرت له الحجة واستبان له الدليل لرجع عن هذا القول مباشرةً دون تردد ولا تلكؤ؛ ذلك الظن بأهل العلم الذين وصفهم الله عز وجل بأنهم أهل خشيته, وهم أعلم الناس بأنه لا يجوز للعالم أو المفتي أن يفتى الناس برخصةٍ أو بقولٍ دون مسوِّغ شرعي أو دفع ٍلمفسدةٍ عظيمةٍ، فحينئذٍ تُدفع أعظم المفسدتين بأدناهما؛ تحقيقاً للمصالح ودرءًا للمفاسد كما نص على ذلك أهل العلم, ومن ثمَّ نقول: لا يحق للعامي النظر في اختلاف الفقهاء وأقوال العلماء لا سيما وأنه غير مؤهّل لذلك, بل عليه أن يستفتي من يثق به من أهل العلم، وأن يلتزم بما أفتاه به - دون البحث عن الرخص أو الزَّلاَّت أو الهفوات، أو البحث عمن يفتيه بما يوافق هواه -، حتى تبرأ ذمته, ويخرج من العهدة بين يدي الله عز وجل؛ لأن مذهب العامي مذهب مفتيه كما قرر أهل العلم.
وفي الختام نقول يجب على كل مسلم أن يتقي الله عز وجل وأن يترك تتبّع رخص الفقهاء وزلات العلماء وأن يحتاط لدينه, وأن يطلب براءة ذمته بين يدي الله عز وجل فإنه عما قريبٍ موقوفٍ ومسئولٍ بين يدي الله تبارك وتعالى, ونذكر بقول النبي r: «إِنَّ الحَلاَلَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ؛ كَالرَّاعِى يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِى الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِىَ الْقَلْبُ»(18). وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه .
وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
بقلــم
أحمد عبد الوهاب سالم
الباحث بإدارة الإفتاء
 
عدد القراء : 7352