أدب المفتي والمستفتي
 
 

أدب المفتي والمستفتي

                               

 

الحمد لله حقّ حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله؛ صلّى الله عليه وسلّم، وعلى آله، وصحبه.

أمّا بعد: فإنّ للإفتاء في الدّين منزلةً كبرى، ومقاماً أسمى؛ وذلك لشرفه، وعموم نفعه، وهو مع ذلك عظيم الخطر،‏ كبير الموقع والأثر؛ لأنّ المفتي موقّع عن الله  عزّ وجلّ- فيما يصدر من الفتاوى والأحكام، ويقرّر من المسائل والدلائل؛ ولهذا كان من المهمّ معرفة حقّ هذا المنصب العظيم، وأدب هذا المقام الرّفيع؛ حتّى تحفظ له حرمته، ويراعى حقّ أهله والقائمين به؛ وخاصّة في هذا الزّمان الّذي تصدّر فيه للفتوى من ليس من أهلها، وأخلّ كثير من المستفتين بآداب السؤال والفتوى الّتي ينبغي التّأدب بها.

وإنّ من أهمّ آداب المفتي التي يجب أن يعمل بها في نفسه، ويأخذ بها عند إفتائه؛ هي:

أوّلاً: الإخلاص في الفتيا؛ بأن يبتغي بها ما عند الله سبحانه، ويحتسب فيها الأجر من الله جلّ جلاله، ولا يكون في قلبه شيء من حظوظ الدّنيا، أو الالتفات إلى  المخلوقين، وقد رُوي عن ابن المُنكدر رحمه الله- أنّه قال:‏ «إنّ العالم بين الله وبين خلقه؛‏ فلينظر كيف يدخل بينهم»(1).

ثانياً: أن يتّقي الله عزّ وجلّ فيما يفتي به، ويحذر من الإفتاء بخلاف الحقّ الذي يعلمه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، وليعلم أنّه موقوفٌ غداً بين يدي الله، ومسؤولٌ عمّا وقّع به وأفتاه، ورحم الله الإمامَ مالكاً؛ إذ كان يقول : «من أحبّ أن يجيب عن مسألة؛ فينبغي أن يَعْرضَ نفسه على الجنّة والنّار، وكيف خلاصه في الآخرة، ثم يجيب»(2).

ثالثاً: أن يتورّع عن الفتيا ما استطاع ولا يحـرص عليها، إلاّ أنْ تتعيّن عليه؛ فيستعين بالله تعالى في القيام بحقّها؛ فقـد قـال عبد الرحمن بن أبي ليلى-رحمه الله-:‏ «لقـد أدركتُ عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله r إذا سئل أحدهم عن المسألة أحبّ أن يكفيه غيره».‏ وفي رواية:‏ «ما منهم من يحدث بحديث،‏ إلا وَدَّ أنّ أخاه كفاه إياه،‏ ولا يستفتى عن فتيا إلا ودّ أنّ أخاه كفاه الفتيا»(3).‏

رابعاً: أن يوطّن نفسه على قول: «لا أدري» فيما لا يعلم حكمه من المسائل، ويحذر من القول على الله بغير علم؛ فإنّه من أعظم المآثم؛ وقد قال محمد بن عجلان-رحمه الله-:‏ «إذا أغفل العالم ‏(‏لا أدري‏)‏ أُصِيبت مقاتله»(4).‏

خامساً: أن يحذر من التّساهل في الفتيا؛ لأنّ من عرف بالتّساهل في الفتيا حرم استفتاؤه، ومن التساهل:‏ أن لا يتثبت،‏ ويُسرِع بالفتوى قبل استيفاء حقِّها من النظر والفكر،‏ فإن تقدّمت معرفته بالمسؤول عنه فلا بأس بالمبادرة(5).

وقد رُوي عن التّابعي الجليل أبي حَصِين عثمان بن عاصم-رحمه الله- قوله:‏ «إن أحدَكَم ليفتي في المسألة ولو وَرَدَتْ على عُمَر بن الخطاب t لجمع لها أهل بدر»(6).

سادساً: أن يتجنّب في فتاويه تتبع الحيل المحرّمة والرّخص المكروهة، والإفتاء بالأقوال الشاذّة والضعيفة عند الفقهاء، ويحذر أن يميل في فتواه مع المستفتي؛ فقد قال سليمان التيميّ رحمه الله-: «لو أخذت برخصة كلّ عالم اجتمع فيك الشّرّ كلّه»(7).
قال الإمام ابن عبد البر عقبه: «هذا إجماعٌ لا أعلم فيه خلافاً».

سابعاً: ينبغي أن لا يقتصر في فتواه على قوله:‏ في المسألة خلاف،‏ أو قولان،‏ أو وجهان،‏ أو روايتان،‏ أو يُرجع إلى رأي القاضي،‏ ونحو ذلك؛‏ فهذا ليس بجواب،‏ ومقصود المستفتي بيان ما يعمل به،‏ فينبغي أن يجزم له بما هو الراجح،‏ فإن لم يعرفه توقَّف حتى يظهر،‏ أو يترك الإفتاء(8).

ثامناً: أن يختصر جوابه، ويكون بحيث تفهمه العامّة، ولا بأس أن يذكر في فتواه الحجّة إذا كانت نصاً واضحاً مختصراً(9).

- وأمّا آداب المستفتي: فإنّ من أهمّها وأنفعها له، وأولاها بالأخذ عند استفتائه وسؤاله؛ هي:

أوّلاً: أن يتأدّب مع المفتي ويبجّله في خطابه وجوابه، ولا يومئ بيده في وجهه،‏ ولا يقل له: ما مذهبك؟ أو ليس هكذا تقول الفقهاء؟! أو نحو ذلك(10).

ثانياً: أن يبحث عن أهلية من يستفتيه إذا لم يكن عارفاً بأهليته؛ فلا يجوز له استفتاء من انتسب إلى العلم،‏ وانتصب للتدريس والإقراء وغير ذلك من مناصب العلماء،‏ بمجرد انتسابه وانتصابه لذلك(11).

ثالثاً: أن لا يسأله وهو على حالة ضجر، أو همٍّ، أو غضب، أو غير ذلك ممّا يشغل القلب، ويحول بينه وبين التّأمّل؛ فإنّ هذه الأحوال لا ينبغي أن يكون فيها استفتاء ولا إفتاء(12). ‏

رابعاً: أن لا يغفل ولا يدع الدعاء لمن يستفتيه؛ خاصّة إذا كان ذلك في كتاب؛ كأن يقول:‏ ما تقول رحمك الله؟‏ أو وفقّك الله،‏ وسدّدك، ورضي عن والديك؟،‏ وإن كانوا جماعة قال:‏ ما تقولون رضي الله عنكم ‏؟‏ أو ما تقول الفقهاء سدّدهم الله تعالى؟‏ ونحو ذلك(13).

 

خامساً: أنّه ينبغي له عند اختلاف المفتين في المسألة الواحدة: أن يلزم أعلمهم وأوثقهم عنده -على الأظهر-؛ فيأخذ بقوله ويقلّده؛ كما يجب تقديم أرجح الدّليلين، وأوثق الرّوايتين(14).

سادساً: لا يجوز للمستفتي العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه إليها، وكان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه به، ولا تخلّصه فتوى المفتي من الله كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك، كما قال  r : «فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها» (متفق عليه). وعلى المستفتي أن يسأل ثانيًا وثالثًا حتّى تحصل له الطمأنينة(15).

 سابعاً: ينبغي للمستفتي أن يتولّى الاستفتاء بنفسه، ويجوز له أن يبعث ثقةً يعتمد خبره ليستفتى له(16)

 

والله أعلم، وصلّى الله على نبيّنا محمّد، وعلى آله، وصحبه، وسلّم

 

 

بقلم : نور الدين مسعي

الباحث في إدارة الإفتاء


(1) رواه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (ص/438)، ومن طريقه ابن الصلاح في أدب المفتي والمستفتي (1/8). 

(2) الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب (1/23) لابن فرحون المالكي. 

(3) رواه أبو خيثمة في العلم (ح21)، وابن المبارك  في الزهد (ح58)، والدارمي في السنن (1/65).

(4) رواه الآجرّي في أخلاق العلماء (ح102)، والبيهقي في المدخل (ص/436)، وابن عبد البر في الجامع  (2/54). 

(5) انظر: المجموع شرح المهذب (1/46) للنّووي.

(6) رواه البيهقي في المدخل(ص/434). وذكر ابن الصلاح في أدب المفتي (1/10) أنّه روي مثله عن الحسن والشعبي.

(7) رواه الخلاّل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ح172)، وابن عبد البر في الجامع (2/91-92).

(8) انظر: المجموع (1/47).

(9) انظر: أدب المفتي (1/76، 82)، المجموع (1/49، 52).

(10) انظر: أدب المفتي (1/91)، صفة الفتوى والمفتي والمستفتي لابن حمدان (ص/83).

(11) انظر: المجموع (1/54) للنّووي.

(12) انظر: أدب المفتي (1/48،91)، صفة الفتوى (ص/83)، المجموع (1/46).

(13) انظر: المجموع (1/57).

(14) انظر: أدب المفتي (1/87)، صفة الفتوى (ص/70).

(15) انظر: إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين (4/254) لابن القيّم.

(16) انظر: المجموع (1/57).

 
 
عدد القراء : 21294