أدلة المالكية على مسألة زكاة الأراضي المحتكرة
 
أدلة المالكية على مسألة زكاة الأراضي المحتكرة
 

قسّم المالكيّةُ في كتبِهم تُجّارَ العُروضِ -سواء كانت أراضيَ أو غيرَها- إلى صنفين:

الأوّلُ: التّاجرُ المُدِيرُ: وهو الذي يكتسبُ العُروضَ ليُديرَها في التجارةِ، ويكثرُ بيعُه وشراؤُه، ولا يقدرُ أن يضبطَ أحوالَه؛ كأصحابِ الحوانيتِ ونحوِهم.

فيرى المالكيّةُ -كجمهورِ العلماءِ-: أنّ هذا يُزكِّي عروضَه وسلعَه على رأسِ كلِّ حولٍ.

الثّاني: التاجرُ غيرُ المُدِيرِ (المُحْتَكِرُ): وهو الّذي يشتري الأرضَ أو السلعةَ، ويتربّصُ بها، ويرصُدُ الأسواقَ رجاءَ ارتفاعِ سعرِها فيبيعُها، وتنضبطُ أحوالُه في البيعِ والشّراءِ.

فيرى المالكيّةُ-خلافاً للجمهورِ-: أنّ الزكاةَ لا تجبُ على هذا وإن بقيتْ عنده أعواماً؛ فإذا باع السِّلعة زكّاها لسنةٍ واحدةٍ (1).


* أدلّةُ المالكيّةِ على المسألةِ:

استدلّ المالكيّةُ على أنّ التّاجرَ المحتكرَ لا تجبُ عليه الزّكاةُ فيما عنده من العروضِ حتّى يبيعَه بالسُّنّةِ، والأثرِ، والقياسِ، والمعقولِ.

1- الأدلّةُ من السُّنّةِ: استدلّ المالكيّةُ على هذه المسألةِ بجملةٍ من الأحاديثِ النّبويّةِ؛ منها قولُه r: « لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلاَ فَرَسِهِ صَدَقَةٌ»(2)، وقولُه: «قَدْ عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ»(3) ، وقولُه: «لَيْسَ فيِ الْخَيْلِ والرَّقِيقِ زَكَاةٌ»(4).

قال القاضي عبدُ الوهّاب البغداديُّ -بعد أن ذكر هذه الأحاديث-: «وهذا عامٌّ في سُقوطِ الزّكاةِ فيها؛ إلاّ في موضعٍ قامَ عليه الدّليلُ»(5).

وقال أبو الوليد الباجيُّ : « وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ(6) فِي ذَلِكَ بِأَنَّ أَعْيَانَ الْعُرُوضِ لا صَدَقَةَ فِيهَا بِقَوْلِهِ r: " لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ"؛ فَإِذَا اشْتَرَى الْعَرْضَ بِذَهَبٍ لِلتِّجَارَةِ؛ فَقَدْ صَرَفَ مَا تَجِبُ فِي عَيْنِهِ الزَّكَاةُ إِلَى مَا لَا تَجِبُ فِي عَيْنِهِ، فَمَا دَامَ عَرْضًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ؛ فَإِنَّ النِّيَّةَ مُفْرَدَةً لا تُؤَثِّرُ، وَلَوْ أَثَّرَتْ دُونَ عَمَلٍ لَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ عَلَى مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَرْضٌ لِلْقِنْيَةِ فَنَوَى بِذَلِكَ التِّجَارَةَ، وَقَدْ أَجْمَعَنَا عَلَى بُطْلانِ ذَلِكَ»(7).

2- الأدلّةُ من الأثرِ: استدل المالكيّةُ على ما ذهبوا إليه بجملةٍ من الآثارِ؛ منها:


أ- ما رواه إبراهيمُ الصَّائغُ قَالَ: « سُئِلَ عَطَاءٌ : تَاجِرٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فِي أَصْنَافٍ شَتَّى , حَضَرَ زَكَاتُهُ، أَعَلَيْهِ أَنْ يُقَوِّمَ مَتَاعَهُ عَلَى نَحْوِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ ثَمَنُهُ؛ فَيُخْرِجُ زَكَاتَهُ ؟ قَالَ : لا! , وَلَكِنْ مَا كَانَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَخْرَجَ مِنْهُ زَكَاتَهُ, وَمَا كَانَ مِنْ بَيْعٍ أَخْرَجَ مِنْهُ إِذَا بَاعَهُ»(8).

وعن ابنِ جريجٍ قال: كان عطاءٌ يقولُ: « لاَ زكاةَ فيِ عَرْضٍ لَا يُدَارُ إِلاّ الذَّهَبُ وَالفِضّةُ»(9) .

ب- ما رواه معمرٌ قال: «سألتُ الجُعْفيَّ عن رجلٍ لهُ طعامٌ من أرضِه يريدُ بيعَه قد زكَّى أصلَه قال: قال الشعبيُّ: ليس فيه زكاةٌ حتَّى يُباعَ»(10).

قال الحافظُ ابنُ عبد البرّ  - بعد أن ذكر أن طاووساً رُوي عنه كقولِ عطاء والشّعبي- : «لا أعلم أحدا قال بقول الشعبي وعطاء في غير المدير إلا مالكا رحمه الله، وأمّا طاووسٌ فقد اختلف عنه في ذلك؛ فرُويَ عنه ما ذكرنا، ورُويَ عنه إيجابُ الزّكاةِ في عُروضِ التّجارةِ كلَّ عامٍٍ بالتّقويمِ كسائرِ العلماءِ»(11).

ج- ما رواهُ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ عَلَى دِمَشْقَ فِي الصَّدَقَةِ: «إِنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي الْحَرْثِ، وَالْعَيْنِ، وَالْمَاشِيَةِ»(12).


قال الحافظُ ابنُ عبد البرّ  -بعد أن ذكر استدلال الظاهرية بحديث: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" ، وما جاء في معناه عن بعض الصحابة رضي الله عنهم - : «هذا - لعَمْري- موجودٌ عن هؤلاءِ وعن غيرِهم، محفوظٌ: أنّه لا زكاةَ في العُروضِ، ولا زكاةَ إلّا في العينِ والحرثِ والماشيةِ، وليس هذا عن واحدٍ منهم على زكاةِ التِّجاراتِ، وإنّما هذا عندهم على زكاةِ العُروضِ المقتناةِ لغيرِ التِّجارةِ، وما أعلمُ أحداً رُوي عنه أّنه لا زكاةَ في العُروضِ للتِّجارةِ حتّى تُباعَ إلاّ ابنُ عبّاسٍ على اختلافٍ عنه»(13).

3- الأدلّةُ من القياسِ: استدلَّ المالكيّةُ على ما ذهبوا إليه بجملةٍ من الأقيسةِ؛ منها:

أ‌- القياسُ على الدَّيْنِ:

قال الحافظُ ابنُ عبد البرّ : «مذهب مالك وأصحابه أنّ التّجارة تنقسم عندهم قسمين: أحدهما: رجل يبتاع السلع في حين رخصها ويرتاد نفاقها، فيأتي عليه في ذلك العام والأعوام ولم يبع تلك السلعة، وقد نوى التجارة بها: أنّه لا زكاة عليه فيما اشترى من العروض حتّى يبيعها، فإذا باعها بعد أعوام لم يكن عليه أن يزكي إلا لعام واحد؛ كالدَّيْنِ الّذي يقتضيه صاحبُه، وقد غاب عنه، ومكث أعواماً عند الذي كان عليه: أنّه لا يزكِّيه إلاّ لعامٍ واحدٍ»(14).

ب- القياسُ على العُروضِ المُقتناةِ:

قال القاضي عبد الوهّاب : « أنّه عَرْضٌ مملوكٌ غيرُ مدارٌ؛ فلا يلزمُ تقويمُه كلَّ سنةٍ؛ كالعُروضِ المقتناةِ»(15).

ج- القياسُ على المالِ الضِّمارِ: لما رواه أيُّوبُ السَّختيانيُّ: « أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ فِي مَالٍ قَبَضَهُ بَعْضُ الْوُلاَةِ ظُلْمًا ، يَأْمُرُ بِرَدِّهِ إِلَى أَهْلِهِ ، وَيُؤْخَذُ زَكَاتُهُ لِمَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ ، ثُمَّ عَقَّبَ بَعْدَ ذَلِكَ بِكِتَابٍ: أَنْ لاَ يُؤْخَذَ مِنْهُ إِلاَّ زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ؛ فَإِنَّهُ كَانَ ضِمَارًا»(16).

قال ابنُ الأثير : «المالُ الضِّمارُ: الغائبُ الذي لا يُرجَى، وإذا رُجِيَ فليس بِضِمَارٍ؛ من أضْمَرْتُ الشيءَ: إذا غيَّبْتَه؛ فِعَال بمعنى فاعِل، أو مُفْعَل، ومثلُه من الصِّفاتِ: ناقةٌ كِنازٌ. وإنما أَخَذَ منه زكاةَ عامٍ واحدٍ؛ لأنَّ أربابَه ما كانوا يَرْجُون رَدَّه عليهم؛ فلم يُوجِب عليهم زكاةَ السِّنين الماضِيةِ»(17).

قال الحافظُ ابنُ عبد البرّ : «قد بين مالكٌ رحمه الله مذهبَه في الدَّيْنِ في هذا البابِ من مُوَّطَئِه، وأشار إلى الحجّةِ لمذهبِه بعضَ الإشارةِ، والدَّيْنُ عندَهُ والعُروضُ لغيرِ المُديرِ بابٌ واحدٌ، ولم ير في ذلك إلّا زكاةً واحدةً لما ما مضى من الأعوامِ؛ تأسيًّا بعُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ في المالِ الضِّمار؛ لأنّه قضى أنّه لا زكاةَ فيه إلا لعامٍ واحدٍ، والدَّين الغائب عنده كالضِّمار؛ لأنّ الأصل في الضِّمار ما غاب عن صاحبه، والعروض عنده لمن لا يدير -وعند بعض أصحابه لمن يدير إذا كان عليه- حكمُه حكمُ الدَّينِ المذكور، وليس لهذا المذهبِ في النَّظرِ كبيرُ حظٍّ إلّا ما يعارضُه من النَّظرِ ما هو أقوى منه»(18). 


وذلك -والله أعلم- لأنّ كونَ المالِ نامياً أو مرصداً للنّماءِ هُو من أبرزِ الحِكمِ الّتي لأجلِها شُرعتِ الزّكاةُ، وليس هناك كبيرُ فرقٍ بين العَرْضِ المُدارِ والعَرْضِ المُحْتَكَرِ في هذا المعنى.

4- الأدلّةُ من المعقُولِ: استدلّ المالكيّةُ من حيثُ المعقولُ بوجهين:

الأوّلُ: أنّ الزّكاةَ شُرِعَتْ في الأموالِ النَّاميةِ؛ فلو زكَّى السّلعةَ كلَّ عامٍ - وقد تكونُ كاسدةً - نَقَصَتْ عن شرائها؛ فيتضرَّرُ ، فإذا زُكِّيَتْ عند البيعِ؛ فإنْ كانت رَبِحَتْ فالرِّبْحُ كان كامنًا فيها فيُخْرِجُ زكاتَهُ(19).

الثّاني: أنّ الأصلَ أن تُخرَجَ زكاةُ كلِّ مالٍ منه لا من سواهُ، وحيثُ إنّ العَرْضَ المعدَّ للتِّجارةِ لم يُبعْ؛ فلا يلزمُ إخراجُ زكاتِه من غيرِ قيمتِه(20).


والله أعلم، وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلمّ

إِدَارَةُ الإِفْتَاءِ

وِحْدَةُ الْبَحْثِ العِلْميِّ



_________________________

(1) انظر: (الاستذكار) لابن عبد البرّ (3/167)؛ (المنتقى شرح الموطّا) للباجي (2/122)؛ (المقدمات) لابن رشد الجد (1/212)؛ (بداية المجتهد) لابن رشد الحفيد(1/215)؛ (التاج والإكليل لمختصر خليل) للعبدريّ (2/300)، وغيرها.

(3) أخرجه البخاريُّ (ح/1395)، ومسلم(ح/2320).

(3) أخرجه أبو داود (ح/1567)، والترمذيُّ (ح/620)، والنّسائي (ح/2477)، وابن ماجه (ح/1790).

(4) أخرجه أبو داود (ح/1596).

(5) (شرح الرّسالة) (1/380). ويُلحظُ أنّ المالكيّة تمسّكوا بعموم هذه الأحاديث في القول بعدم وجوب الزّكاة على التّاجر المحتكر، وهي تلزمهم في التّاجر المدير، ولكنْ خصّوها بالآثارِ الواردةِ عن عمر وغيره من الصّحابة y؛ الدّالةِ على وجوبِ الزّكاةِ في عروضِ التّجارةِ، وحملوها على المدير لا على غير المدير(المحتكر).

(6) هو شيخ المالكيّة بالعراق في وقته؛ أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق الجهضميّ البغداديّ؛ المتوفّى سنة (282هـ). انظر: (ترتيب المدارك) لعياض (1/464)؛ (سير أعلام النبلاء) للذّهبيّ (13/339).

(7) (المنتقى شرح الموطّا) (2/122). ونحوه في (شرح الرّسالة) (1/381).

(8) أخرجه بتمامه: ابن زنجويه في (الأموال) (3 / 947)، وأخرجه مختصراً: عبد الرزّاق (4/96)، وابن أبي شيبة (3/184).

(9) أخرجه عبد الرزّاق (4/97).

(10) أخرجه عبد الرزّاق (4/95).

(11) (الاستذكار) (3/171). وانظر: (مصنّف عبد الرزّاق) (4/96).

(12) (الموطأ) (ح/654). وقد استدلّ بهذا الأثر على هذه المسألة الإمام سحنون –كما في (المدوّنة الكبرى) (2/251)-، ولكنّه جعله من قول النّبيّ r ، ولم أجده مرفوعاً إليه r في شيء من كتب الحديث، والله أعلم.

(13) (الاستذكار) (3 /169).

* تنبيه: ما أشار إليه الحافظ ابن عبد البر من أنّه روي عن ابن عبّاس t أنّه لا زكاة في العروض للتّجارة حتّى تباع لا يشهد لمذهب مالك ؛ لأنّه قال-كما في (الأموال) لأبي عبيد (ص/521)-: «لاَ بَأْسَ بِالتَّرَبُّصِ حَتَّى يَبِيعَ ، وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ»، وظاهرُه أنّها واجبةٌ لما مضى من الأعوام، لا لحول واحد، والله أعلم.

(14) (الاستذكار) (3/167).

(15) (شرح الرّسالة) للقاضي عبد الوهّاب (1/380-381). و انظر: (المنتقى) (2/122).

(16) أخرجه مالك في (الموطّأ) (ح/686).

(17) (النّهاية في غريب الحديث والأثر) (3/100).

(18) (الاستذكار) (3/162).

(19) انظر: (مجموع الفتاوى) لابن تيمية (25/16).

(20) انظر: (الأموال) لأبي عبيد (ص/522)؛ (المدوّنة الكبرى) (2/251)؛ (شرح الرّسالة) (1/380-381).


 

 

 

 

 

 
عدد القراء : 12163