إخبار المرأة التي أسلمت وزوجها غير مسلم أنها أسلمت وعرض الإسلام عليه
 
 

حكم إخبار المرأة التي أسلمت وزوجها غير مسلم أنها أسلمت

وحكم عرض الإسلام عليه


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد r وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

فتعدُّ العلاقة بين الزوجين غير المسلمين بعد إسلام أحدهما من المسائل المهمة التي تناولها الفقهاء رحمهم الله بالبحث والتدوين ، لا سيما فيما إذا كان البادئ بالدخول في الإسلام هو الزوجة .

ومن أبزر المسائل التي يجدر تناولها في هذا المقام مسألة (إخبار المرأة التي أسلمت وزوجها غير مسلم أنها أسلمت ، وهل يلزمها عرض الإسلام عليه ، أو أن ذلك جائز فقط أو مندوب) ؟

ويمكن بحث هذه المسألة من خلال المحاور الآتية :

أولاً: حكم بقاء المرأة التي أسلمت مع زوجها غير المسلم بعد إسلامها.

ثانياً : حكم إخبار المرأة التي أسلمت زوجها غير المسلم بإسلامها .

ثالثاً : حكم عرض الإسلام على الزوج غير المسلم ؟

رابعاً : من الذي يعرض الإسلام على الزوج ؟ 


المحور الأول: حكم بقاء المرأة التي أسلمت مع زوجها غير المسلم بعد إسلامها .


اتفق الفقهاء(1) رحمهم الله تعالى على اختلاف مذاهبهم الفقهية على حرمة بقاء الزوجة التي أسلمت مع زوجها غير المسلم، سواء كان الزوج كتابياً أو غير كتابي(2).

واستدلوا على ذلك بما يأتي :

1) قوله تعالى : (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) [الممتحنة: 10]. حيث نصت الآية على عدم إرجاع المؤمنات إلى الكفار، وحرمة بقائهن مع أزواجهن الكفار .

يقول ابن جزي: «هذا تعليل للمنع في رد المرأة إلى الكفار، وفيه دليل على ارتفاع النكاح بين المشركين والمسلمات»(3) .

ويقول الشوكاني: «وفيه دليل على أن المؤمنة لا تحلُّ لكافر، وأن إسلام المرأة يوجب فرقتها من زوجها لا مجرد هجرتها، والتكرير لتأكيد الحرمة، أو الأول لبيان زوال النكاح، وأن الثاني لامتناع النكاح الجديد »(4).

ويقول الطاهر بن عاشور: «إن رجوع المرأة المؤمنة إلى الكافر يقع على صورتين:

إحداهما : أن ترجع المرأة المؤمنة إلى زوجها في بلاد الكفر، وذلك ما ألح الكفار في طلبه لما جاءت بعض المؤمنات مهاجرات .

والثانية : أن ترجع إلى زوجها في بلاد الإسلام بأن يخلى بينها وبين زوجها الكافر يقيم معها في بلاد الإسلام إذا جاء يطلبها، ومنع من تسلمها .

وكلتا الصورتين غير حلال للمرأة المسلمة، فلا يجيزها ولاة الأمور »(5).

2) ما صح من الآثار عن أصحاب النبي والتابعين من بعدهم من القول بالتفريق بين المرأة التي أسلمت وزوجها إذا بقي على كفره ، ومن ذلك :

أ - ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه(6) ، عن داود بن كردوس قال : كان رجل من بني تغلب يقال له عباد بن النعمان بن زرعة، كانت عنده المرأة من بني تميم، وكان عبّاد نصرانياً، فأسلمت امرأته ، وأبى أن يُسلم ، ففرَّق عمر بينهما .

ب- ما روى البيهقي في سننه(7) عن جابر بن عبد الله أنه قال لما سئل عن نكاح المسلم اليهودية والنصارنية : «لا يرثن مسلماً ولا يرثهن ، ونساء أهل الكتاب لنا حل ، ونساؤنا عليهم حرام».

ج- ما روى البخاري في صحيحه(8) عن ابن عباس قال : «إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه».


د - وقد وردت آثـار عن التابعين تنص على حرمة بقاء المرأة مع زوجها الكافـر بعد إسلامها، وهو مروي عن عطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، والحسن البصري، والحكم بن عتيبة، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، وعدي بن عدي، وطاووس بن كيسان ، قتادة بن دعامة(9) .

 

المحور الثاني : حكم إخبار المرأة التي أسلمت زوجَها غير المسلم بإسلامها .

لم أقف -فيما اطلعت عليه- على قول لأحد من أهل العلم يبين فيه حكم إخبار المرأة التي أسلمت زوجَها غير المسلم بإسلامها .

والذي تقتضيه النصوص الشرعية وأقوال أهل العلم في المسألة السابقة، أنه يجب على عليها أن تخبر زوجها بإسلامها؛ وذلك لما يأتي :

1) أن القول بحرمة المرأة التي أسلمت على زوجها غير المسلم يترتب عليه أحكام شرعية يجب مراعاتها وأخذها بعين الاعتبار؛ كحرمة المعاشرة بينهما، وحرمة النظر إليها والنظر إليه، أو إبداء شيء من العورة أمام بعضهما؛ لقوله تعالى : لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن [الممتحنة: 10]، ومراعاة هذه الأحكام لا يتحقق إلا بمعرفة سببها وهو إسلام الزوجة؛ فوجب إخباره بذلك .

2) أن القول بحرمة المرأة التي أسلمت على زوجها غير المسلم يترتب عليه وجوب العِدَّة على المرأة إن كان مدخولاً بها، وانفساخ عقد الزوجية مباشرة إن كان غير مدخول بها، وتطبيق هذا الحكم لا يتحقق إلا بمعرفة الزوج بإسلام زوجته؛ حتى يتسنى له إدراكها قبل انتهاء العدة إن رغب في إبقائها، أو لزوم مفارقتها إن أصرَّ على كفره .


3) أن إسلام الزوجة وبقاء زوجها على الكفر يقطع التوارث بينهما ؛ لقول النبي : (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)(10). فيجب على الزوجة أن تخبر زوجها بإسلامها حتى لا يدَّعي الحق بميراثها إذا ماتت قبله .

4) أن المرأة المسلمة تخضع في كثير من الأحيان لأحكام القانون المدني، وخصوصاً إذا كانت في ديار الكفر(11)؛ فهي في نظر القانون المدني متزوجة؛ فإذا اعتبرت عقدها الأول مفسوخاً بمجرد إسلامها ، فإن القانون لا يعتد بذلك ؛ فوجب عليها إخبار زوجها لتحقيق التسوية بينهما في هذا الأمر والتراضي على فسخ العقد وإنهائه ، حتى لا تتعرض لإشكالات قانونية؛ كعدم الاعتراف بالزواج الثاني من قبل السلطات المدنية، وضرورة إثبات عدم ارتباطها بزواج آخر في السجلات المدنية، وتسجيل أولادها من زوجها الثاني على اسم الزوج الأول، أو تسجيلهم كأولاد غير شرعيين ، واستحقاق زوجها الأول الميراث بدل الزوج الثاني، إلى غير ذلك(12) .

 

 المحور الثالث : حكم عرض الإسلام على الزوج غير المسلم

 إذا قلنا بوجوب إخبار الزوجة التي أسلمت زوجَها غير المسلم بإسلامها ، فهل يجب عرض الإسلام عليه ودعوته إليه؟

اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين :

القول الأول : ذهب الحنفية إلى أنه يجب عرض الإسلام على الزوج غير المسلم إذا كانا في دار الإسلام ، أما إذا كان أحدهما أو كانا جميعاً في دار الحرب، فلا يجب عرض الإسلام عليه(13).

قال في العناية : «وإذا أسلمت المرأة وزوجها كافر عُرض عليه الإسلام؛ فإن أسلم فهي امرأته ، وإن أبى فَرَّق القاضي بينهما»(14).


ويقول ابن الهمام : «وحاصل المسألة أنه إذا أسلم أحد الزوجين اللذين هما مجوسيان، أو الزوجة منهما مجوسية والزوج كتابي أو الزوجة من الكتابيين، أو الزوجة الكتابية والزوج مجوسي، عرض على المُصِرِّ الإسلامُ إذا كان بالغاً أو صبياً يعقل الأديان... فإن أبى فُرِّق بينهما»(15).

ويقول ابن نجيم : «ومعنى قوله (وإلا فَرَّق بينهما) أنه إن لم يُسلم الآخر بأن أبى عنه، فرَّق بينهما، وأما إذا لم يُسلم ولم يمتنع بأن سكت، فإنه يُكرر العرض عليه؛ لما في الذخيرة: إذا صرَّح بالإباء فالقاضي لا يعرضُ الإسلام عليه مرَّة أخرى، ويُفرِّق بينهما، فإن سكت ولم يقل شيئاً؛ فالقاضي يَعرض عليه الإسلام مرَّة بعد أخرى، حتى تتم الثلاث احتياطاً اهـ»(16).

وقال أيضاً : «وأطلق في إسلام أحدهما في دار الحرب؛ فشمل ما إذا كان الآخر في دار الإسلام أو في دار الحرب، أقام الآخر فيها أو خرج إلى دار الإسلام؛ فحاصله أنه ما لم يجتمعا في دار الإسلام؛ فإنه لا يُعرضُ الإسلام على المصرِّ؛ سواء خرج المسلم أو الآخر؛ لأنه لا يُقضى لغائب ولا على غائب. كذا في المحيط»(17).

وعلل الحنفية القول باشتراط عرض الإسلام على الزوج غير المسلم؛ بأن التفريق بين الزوجين لا بد له من سبب، والإسلام لا يصحُّ أن يكون سبباً للفرقة؛ لأنه طاعة ونعمة وعاصم للأملاك، فلا يجوز أن يكون مبطلاً للنكاح ؛ فكان لا بد من عرض الإسلام على الزوج ؛ فإن أبى كان إباؤه سبباً للفرقة؛ لأنه معصية(18).

وأما عدم اشتراط عرض الإسلام إذا كان أحدهما أو كانا جميعاً في دار الحرب؛ فلأن التفريق يحتاج إلى حكم القاضي ، والقاضي لا ولاية له في دار الحرب.


قال في تبيين الحقائق : «وعندنا نفس الإسلام غير موجب للفرقة ، ولا كفر المصرِّ، ولا اختلاف الدين على ما مرَّ من قبل، ولكن يمكن تقرير السبب في دار الإسلام بالعرض حتى إذا أبى يكون مفوِّتاً للإمساك بالمعروف، وفي دار الحرب لا يتأتى ذلك لانقطاع الولاية، فأُقيم شرط الفرقة وهو مضي ثلاثة قروء مقام السبب؛ كما في حفر البئر إذا وقع فيها إنسان ولم يُمكن إضافة الحكم إلى العلة ، فأضيف إلى الشرط وهو الحفر، فكذا هنا مسَّت الحاجة إلى الفرقة تخليصاً للمسلمة من ذُلِّ الكفر، فأقمنا شرط البينونة في الطلاق الرجعي مقام عُرْضات القاضي وتفريقه عند تعذر اعتبار العلة»(19).

القول الثاني : ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يجوز عرض الإسلام على الزوج غير المسلم إذا أسلمت زوجته، ولا يجب ذلك(20).

وقد صرح بذلك في المدوَّنة فقال : «أرأيت إن أسلمت المرأة وزوجها كافر ، يُعرض على زوجها الإسلام في قول مالك أم لا؟

قال : لا يعرض الإسلام في رأيي، ولكنه إن أسلم وهي في عدتها فهو أحق بها، وإن انقضت عدتها فلا سبيل له عليها»(21).

وقال في تكملة المجموع : «وشرط أهل الكوفة ومن وافقهم أن يُعرض الإسلام في تلك المدة فيمتنع إن كانا معاً في دار الإسلام، وقد روي عن أحمد أن الفرقة بمجرد الإسلام من غير توقف على مضي العدة كسائر أسباب الفرقة من رضاع أو خلع أو طلاق»(22).

ويقول ابن القيم بعد أن ذكر أثر عمر في التفريق بين عبادة بن النعمان التغلبي وامرأته التي أسلمت من بني تميم : «فالنكاح في هذه المدة لا يحكم ببطلانه ولا بلزومه وبقائه من كل وجه ، ولهذا خيَّر أمير المؤمنين المرأة تارة ، وفرّق تارة، وعرض الإسلام على الثاني، فلما أبى فرّق بينهما.

وهذه الآثار عن أمير المؤمنين لا تعارض بينها؛ فإن النكاح بالإسلام يصير جائزاً بعد أن كان لازماً؛ فيجوز للإمام أن يعجل الفرقة، ويجوز له أن يعرض الإسلام على الثاني، ويجوز إبقاؤه إلى انقضاء العدة، ويجوز للمرأة التربص به إلى أن يسلم ولو مكثت سنين. كل هذا جائز لا محذور فيه»(23).

وعلل الجمهور قولهم بالجواز وعدم الوجوب بما يأتي :

1) أن الآثار الواردة عن عمر رضي الله عنه تبين أنه تارة كان يخير المرأة ، وتارة كان يُفرِّق بينها وبين زوجها من غير تخيير ، وتارة يدعو الزوج إلى الإسلام فلا يفرق بينهما بعد الإباء -كما سبق في كلام ابن القيم-؛ فدل ذلك على أن دعوة الآخر إلى الإسلام ليس واجبة(24)؛ إذ لو كانت كذلك للزم أن لا يفرق بينهما في جميع الأحوال إلا بعد عرض الإسلام.

2) أن دعوة الزوج غير المسلم للإسلام فيه شبهة إكراه وتعرُّض لأهل الذمة إن كان الزوج منهم، وموجب عقد الذمة أن لا يتعرض لهم. وهذا فيما إذا كانا في دار الإسلام(25).


المحور الرابع : من الذي يعرض الإسلام على الزوج ؟

ظاهر كلام أئمة الحنفية القائلين باشتراط عرض الإسلام على الزوج غير المسلم؛ أن عرض الإسلام على الزوج يكون من جهة القضاء؛ ذلك أنهم استعملو صيغة المبني للمفعول التي تدل على الإطلاق (عُرضَ، يُعرضُ)؛ إلا أن السياق يدل على أن من له ولاية التفريق هو الذي يعرض عليه الإسلام قبل التفريق.

ففي العناية يقول : «وإذا أسلمت المرأة وزوجها كافر عُرِض عليه الإسلام، فإن أسلم فهي امرأته ، وإن أبى فرَّق القاضي بينهما»(26).

فالحنفية يرون أن الذي له سلطة التفريق بين الزوجين -إذا كانا في دار الإسلام- هو القاضي، وهو الذي يعرض عليه الإسلام قبل التفريق .

ويؤكد هذا ما جاء في العناية أيضاً -عند الحديث عن إسلام المرأة في دار الحرب، حيث يقول : «والعَرضُ على الإسلام متعذِّر لقصور الولاية»(27)؛ والتعبير هنا بـ (قصور الولاية) إشارة إلى أن الذي يعرض الإسلام عليه هو القاضي ؛ إذ عرض الإسلام على الزوج غير المسلم من جهة الزوجة غير متعذر في الغالب ما لم تفارق محل إقامته في دار الحرب .

وأصرحُ من هذا ما جاء في البحر الرائق حيث يقول : «إن لم يُسلم الآخر بأن أبى عنه فرَّق بينهما، وأما إذا لم يُسلم ولم يمتنع بأن سكت؛ فإنه يُكرِّر العرض عليه ؛ لما في الذخيرة : إذا صرَّح بالإباء فالقاضي لا يعرض الإسلام عليه مرَّة أخرى، ويُفرِّق بينهما، فإن سكت ولم يقل شيئاً؛ فالقاضي يعرض عليه الإسلام مرة بعد أخرى حتى تتم الثلاث احتياطاً. اهـ»(28).

ولا يتعارض قول الجمهور القائلين بعدم اشتراط عرض الإسلام على الزوج غير المسلم عن قول الحنفية؛ إذ هم مع قولهم بالجواز فإنهم يبيِّنون أنه في حالة عرض الإسلام عليه، يكون العرض من صاحب الولاية وهو القاضي أو ولي الأمر ؛ مستدلين على ذلك بأثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي فرق فيه بين عباد بن النعمان التغلبي وامرأته.

يقول ابن القيم في أحكام أهل الذمة : « فيجوز للإمام أن يعجل الفرقة، ويجوز له أن يعرض الإسلام على الثاني، ويجوز إبقاؤه إلى انقضاء العدة، ويجوز للمرأة التربص به إلى أن يسلم ولو مكثت سنين. كل هذا جائز لا محذور فيه »(29).

ويرى الشيخ فيصل مولوي أن دعوة الزوج إلى الإسلام واجبة على المرأة المسلمة تجاه زوجها غير المسلم؛ فيقول : «ثم يجب عليها دعوة زوجها للإسلام، هذا هو واجب كل مسلم بشكل عام، وخاصة تجاه أقربائه وبالأخص الزوجة، ومن المعلوم أن جميع النساء اللائي أسلمن أيام رسول الله كنَّ يدعون أزواجهن للإسلام، وقصة إسلام صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل(30) بعد إسلام زوجتيهما معروفة»(31).

هذا ما تيسر جمعه في هذه المسألة ، والله تعالى أجل وأعلم ، وهو ولي التوفيق .


وحدة البحث العلمي

بإدارة الإفتاء


ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نقل بعض أهل العلم الإجماع على حرمة بقاء المرأة مع زوجها الكافر بعد إسلامها ؛ ومن ذلك ما قاله القرطبي في تفسيره (3/72): «وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه ؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام».

ويقول ابن حجر في الفتح (9/423) : «ولم يذهب أحد إلى جواز تقرير المسلمة تحت المشرك إذا تأخَّر إسلامه عن إسلامها حتى انقضت عدتها ، وممن نقل الإجماع في ذلك ابن عبد البر، وأشار إلى أن بعض أهل الظاهر قال بجوازه ، وردَّه بالإجماع المذكور، وتُعُقِّب بثبوت الخلاف فيه قديماً ، وهو منقول عن علي وعن إبراهيم النخعي ، أخرجه ابن أبي شيبة عنهما بطرق قوية ، وبه أفتى حماد شيخ أبي حنيفة» اهـ.

- أما أثر علي فيقول فيه : (إذا أسلمت النصرانية امرأة اليهودي أو النصراني ، كان أحق ببضعها ؛ لأن له عهداً) . وعنه قال : (هو أحق بها ما داما في دار الهجرة) . ونحو هذا الأثر مروي عن الشعبي .

- وأما أثر إبراهيم النخعي فقال فيه : (يُقرَّان على نكاحهما).

- ومما يظن دلالته على هذا الأمر ، ما روى عبد الله بن يزيد الخطمي (أن عمر كتب : تخيرن) .

* انظر هذه الآثار في مصنف ابن أبي شيبة (4/106).

ومن تأمل هذه الآثار يرى أنه ليس فيها دلالة على تمكين الزوج الكافر من زوجته بعد إسلامها ، وأن غاية ما فيها أن الزوج الكافر إذا أسلم بعد زوجته كان أولى بها، ولا يحتاج إلى تجديد عقد ومهر، ويقرَّان على عقدهما الأول.

- وأما ما ورد عن عمر من القول بالتخيير؛ فمعناه أن تخيَّر المرأة بين انتظار زوجها حتى يسلم ، أو عدم الانتظار فتتزوج غيره . ومما يدل على أن هذا هو مراد عمر رضي الله عنه تخيير عمر لعباد بن النعمان بين الإسلام أو نزع امرأته منه ؛ فلما أبى الإسلام نزعها منه . انظر: مصنف ابن أبي شيبة (4/106) . فهذه الرواية المفصلة توضح ما جاء مجملاً في رواية التخيير . والله أعلم. 

(2) وهو ما ذهب إليه الأئمة الأربعة والظاهرية ، إلا أنه وقع خلاف بينهم في الزمن الذي تنتظره المرأة لإسلام زوجها حتى يُقرَّا على عقدهما الأول ؛ فمنهم من قال إن عقد الزواج ينحلُّ بمجرد الإسلام؛ سواء كان قبل الدخول أو بعده، كما هو مذهب الظاهرية، ومنهم من فرَّق بين حصول الإسلام قبل الدخول أو بعده، فإن كان قبل الدخول فيكون التفريق وحلُّ عقد النكاح على الفور ، وإن كان بعد الدخول فلا ينحل عقد النكاح إلا بعد انقضاء عدة المرأة بحسب حالها آيسة ، أو غير آيسة، أو صغيرة ، أو حاملاً، وهذا هو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة. ومنهم من فرق بين كون الزوجين في دار الإسلام ، أو في دار الحرب ، أو أحدهما في دار الإسلام والآخر في دار الحرب؛ فإن كانا في دار الإسلام فلا يفرق بينهما إلا القاضي بعد عرض الإسلام على الزوج وإبائه، أما إن كانا في دار الحرب أو كان أحدهما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام ، فالتفريق يكون بانقضاء عدتها، وهذا مذهب الحنفية .

     واتفقوا جميعاً على أن الفرقة تقع بمجرد الإسلام إذا كان إسلام المرأة قبل الدخول بها .

* ينظر تفصيل هذه المسائل في : العناية (5/102، 105)، شرح فتح القدير (3/419، 421)، المحيط البرهاني (3/300، 301)، التلقين (1/306) ، الثمر الداني (1/459) ، الحاوي (9/258، 259)، دليل المحتاج (3/95)، المغني (7/532) ، الإنصاف (8/213).

(3) التسهيل لعلوم التنزيل (4/115) .

(4) فتح القدير (5/215) .

(5) التحرير والتنوير (28/140) .

(6) مصنف ابن أبي شيبة (5/90-91) ، ومداره على سليمان الشيباني، وهو من الثقات .

(7) السنن الكبرى (7/172) ، وإسناده صحيح .

(8) صحيح البخاري (5/2024) .

(9) انظر الآثار الواردة عنهم في: صحيح البخاري (5/2024) ، مصنف ابن أبي شيبة (5/90، 92) ، المحلى لابن حزم (7/505) .

(10) رواه البخاري (6/2484، رقم (6383) ، ومسلم (3/1233، رقم 1614) .

(11) وهذا الأمر موجود في بعض الدول العربية والإسلامية ، حيث لا اعتداد بالأحكام الشرعية في مسائل النكاح والطلاق والميراث، وإنما المعتبر في ذلك هو القانون المدني .

(12) انظر : بحث الشيخ فيصل مولوي : إسلام المرأة وبقاء زوجها على دينه (www.mawlawi.net) .

(13) انظر : العناية (5/105) ، البحر الرائق (3/228) .

(14) العناية (5/102) .

(15) شرح فتح القدير (3/419) .

(16) البحر الرائق (3/227) .

(17) البحر الرائق (3/228) . وانظر أيضاً : المحيط البرهاني (3/300، 301) .

(18) انظر : بدائع الصنائع (2/336، 337) ، الهداية (1/220) .

(19) تبيين الحقائق (2/175) .

(20) انظر : المدونة (6/101) ، المجموع (16/299) ، الحاوي (9/261) .

     ويرى المالكية أنه إذا كان الذي أسلم هو الزوج وامرأته مجوسية؛ فإنه يعرض عليها الإسلام؛ قال في التلقين (1/306): «وإذا أسلم الكتابي وتحته كتابية ثبت عليها، وإن كانت مجوسية عرض عليها الإسلام، فإذا أسلمت ثبتت معه، وإن أبت انفسخ النكاح في الحال كان قبل الدخول أو بعده، وكذا إن كانا مجوسيين أو صابئين أو غير ذلك من أنواع الشرك» .

(21) المدونة (6/101) .

(22) المجموع (16/299) .

(23) أحكام أهل الذمة (3/344) .

(24) انظر : أحكام أهل الذمة (3/344) .

(25) انظر : بحث الشيخ فيصل مولوي : : إسلام المرأة وبقاء زوجها على دينه (www.mawlawi.net) .

وقد حُكي هذا التعليل عن الشافعية؛ فقد نقله عنهم: البارتي في العناية (5/102)، وابن الهمام في شرح فتح القدير (3/419)، والزيلعي في تبيين الحقائق (2/174) ، ولم يتيسر لي الوقوف عليه في مصادر الشافعية.

(26) العناية (5/102) .

(27) العناية (5/105) .

(28) تبيين الحقائق (3/227) .

(29) أحكام أهل الذمة (3/344) .

(30) أما دعوة امرأة عكرمة بن أبي جهل إلى الإسلام ؛ فقد رواها مالك في الموطأ (رقم 44) عن ابن شهاب الزهري: « أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام ، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح بمكة وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن ودعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم على رسول الله عام الفتح ، فلما رآه رسول الله وثب إليه فرحاً وما عليه رجاء حتى بايعه، فثبتا على نكاحهما ذلك».

     أما الروايات التي تحدثت عن إسلام صفوان بن أمية ؛ فلم تذكر أثر زوجته في دعوته إلى الإسلام؛ ذلك أنها لما أسلمت يوم الفتح هرب زوجها صفوان إلى اليمن، حتى لحق به عمير بن وهب فأمّنه على نفسه، ثم لما كان يوم حنين أعطاه النبي r شعباً فيه غنم، فأسلم بعدها لما رأى من خلقه وكرمه. انظر : مغازي الواقدي (2/853-855).

(31) بحث الشيخ فيصل مولوي: إسلام المرأة وبقاء زوجها على دينه (www.mawlawi.net) .

 

 
عدد القراء : 10876