عمليات التجميل
 
عمليات التجميل
 
 

فالعمليات التجميليّة التي يجريها بعض الناس في زماننا هذا  تُعدُّ من المسائل الفقهية المعاصرة، وإن كانت لا تخلو من إشارات لبعض علمائنا المتقدمين كالإمام النووي وابن حجر وغيرهما رحم الله الجميع، ولذا سنقتصر على نقل نصوص المعاصرين مع ذكر إشارات بعض المتقدمين ، وذلك على النحو التالي :

 

1-  فتح الباري (10/377) :

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

قال الطبري: لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقصٍ ؛ التماس الحُسْن لا للزوج ولا لغيره ؛ كمَنْ تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما توهم البلج أو عكسه ، ومَنْ تكون لها سنّ زائدة فتقلعها، أو طويلة فتقطع منها ، أو لحية أو شارب أو عنفقة فتزيلها بالنتف ، ومَنْ يكون شعرها قصيرا أو حقيرا فتطوّله أو تغزره بشعر غيرها فكل ذلك داخل في النهي ، وهو مِنْ تغيير خلق الله تعالى . قال : ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر والأذيّة ؛كمَنْ يكون لها سنّ زائدة أو طويلة تُعيقها في الأكل ، أو إصبع زائدة تؤذيها أو تؤلمها فيجوز ذلك .

 

وقال الحافظ أيضاً ( 10/372 ) : قوله : ( والمتفلّجات للحُسْن ) يُفهم منه أن المذمومة مَنْ فَعَلتْ ذلك ؛ لأجل الحُسْن .
 

2- شرح النووي على مسلم  ( 14/106 ) :

يقول الإمام النووي رحمه الله :

وأما المتفلِّجات : بالفاء والجيم ، والمراد : مفلجات الأسنان ؛ بأن تبرد ما بين أسنانها الثنايا والرباعيات ، وهو من الفلج بفتح الفاء واللام ، وهى فرجة بين الثنايا والرباعيات وتفعل ذلك العجوز ومن قاربتها فى السن ؛ إظهاراً للصغر ، وحسن الأسنان ؛ لأن هذه الفرجة اللطيفة بين الأسنان تكون للبنات الصغار ، فاذا عجزت المرأة كبرت سنها وتوحَّشت فتبردها بالمبرد ؛ لتصير لطيفة حسنة المنظر، وتوهم كونها صغيرة . ويقال له أيضا الوشر ومنه:( لعن الواشرة والمستوشرة) وهذا الفعل حرام على الفاعلة والمفعول بها لهذه الأحاديث، ولأنه تغيير لخلق الله تعالى ، ولأنه تزوير ،ولأنه تدليس.وأما قوله: (المتفلجات للحسن) فمعناه : يفعلن ذلك طلبا للحسن ، وفيه اشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحُسْن، أما لو احتاجت إليه لعلاج أو عيب فى السن ونحوه فلا بأس والله أعلم .
 

3- الثمر الدانى في تقريب المعاني شرح رسالة ابن أبى زيد القيرواني (2/190) :

يقول مؤلفه رحمه الله :

والمتفلِّجة : هي التي تبرد أسنانها ليتباعد بعضها عن بعض ، أو يكون في أسنانها طول فتزيله بالمبرد . ومفهوم قوله: للحُسْن أن الحرام هو المفعول للحُسْن، فلو احتيج إليه لعلاج أو عيب فلا بأس به.

 

4- إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للقاضي عياض ( 6/330 ) :

قال رحمه الله تعليقاً على حديث ( لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات...) : قال بعض علمائنا : وهذا المنهى عنه المتوعد على فعله فيما يكون باقياً ، فإنه من تغيير خلق الله ، فأما ما لا يكون باقيا كالكحل فلا بأس به للنساء والتزين به  ، وقد أجازه مالك للنساء ، وكرهه للرجال .
 

5- تفسير القرطبي ( 5/393 ) :

 قال رحمه الله أيضاً  تعليقاً على هذا لحديث (لعن الله الواشمات والمستوشمات ...) :

وهذه الأمور كلها قد شهدت الأحاديث بلعن فاعلها وأنها من الكبائر. واختُلف في المعنى الذي نهي لأجلها: فقيل: لأنها من باب التدليس، وقيل: من باب تغيير خلق الله تعالى ، كما قال ابن مسعود ، وهو أصح، وهو يتضمن المعنى الأول . ثم قيل: هذا المنهي عنه إنما هو فيما يكون باقياً، لأنه من باب تغيير خلق الله تعالى، فأما مالا يكون باقياً كالكحل والتزين به للنساء فقد أجاز العلماء ذلك مالك وغيره، وكرهه مالك للرجال.

 

6- مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي :

صدر عن مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثامنة عشرة في بوتراجايا (ماليزيا) من 24 إلى 29 جمادى الآخرة 1428هـ، الموافق 9- 14 (يوليو) 2007م قرار بشأن عمليات التجميل ، جاء فيه :

(لا يجوز إجراء جراحة التجميل التحسينية التي لا تدخل في العلاج الطبي ويُقصد منها تغيير خلقة الإنسان السويّة؛ تبعا للهوى والرغبات بالتقليد للآخرين ، مثل عمليات تغيير شكل الوجه للظهور بمظهر معين، أو بقصد التدليس وتضليل العدالة ، وتغيير شكل الأنف، وتكبير أو تصغير الشفاه، وتغيير شكل العينين وتكبير الوجنات) .

 

7- الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي (4/ 229) :

يقول مؤلفه سدده الله :

وتحرم أيضاً عمليات التجميل النسائية التي يُراد بها تصغير المرأة الكبيرة (عمليات الشدِّ) ؛ روى أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت:كان النبي يلعن القاشرة المقشورة، والواشمة والموشومة، والواصلة والموصولة». وروى أحمد أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ينهى عن النامصة ، والواشرة ، والواصلة ، والواشمة إلا من داء» .

والواشرة: التي تَشِر الأسنان حتى تكون لها أشْر، أي: تحديد ورِقَّة ، تفعله المرأة الكبيرة؛ تتشبه بالحديثة السنِّ. والقاشرة: التي تعالج وجهها، أو وجه غيرها بالغُمرة (طلاء يتخذ من الوَرْس)؛ ليصفو لونها. والمقشورة: التي يُفعل بها ذلك، كأنها تَقْشِر أعلى الجلد، ويبدو ما تحته من البشرة، وهو شبيه بفعل النامصة .
 

8- أحكام الجراحة الطبية (191) -رسالة دكتوراه- للدكتور محمد بن محمد المختار الشنقيطي :

 يقول المؤلف وفقه الله :

جراحة التجميل التحسينية وهي: جراحة تحسين المظهر، وتجديد الشباب.

والمراد بتحسين المظهر تحقيق الشكل الأفضل، والصورة الأجمل، دون وجود دوافع ضرورية أو حاجية تستلزم فعل الجراحة. وأما تجديد الشباب  فالمراد به إزالة الشيخوخة، فيبدو المسن بعدها وكأنه في عهد الصبا، وعنفوان الشباب في شكله وصورته. والعمليات المتعلقة بهذه الجراحة تنقسم إلى نوعين:

النوع الأول: عمليات الشكل : ومن أشهر صوره ما يلي:

- تجميل الأنف بتصغيره، وتغيير شكله من حيث العرض والارتفاع.

- تجميل الذقن، وذلك بتصغير عظمها إن كان كبيراً، أو تكبيره بوضع ذقن صناعية تلحم بعضلات، وأنسجة الحنك.

- تجميل الثديين بتصغيرهما إذا كانا كبيرين، أو تكبيرهما بحقن مادة معينة مباشرة في تجويف الثديين، أو بحقن الهرمونات الجنسية، أو بإدخال النهد الصناعي داخل جوف الثدي بواسطة فتحة في الطية الموجودة تحت الثدي.

- تجميل الأذن بردها إلى الوراء إن كانت متقدمة.

- تجميل البطن بشد جلدتها وإزالة القسم الزائد بسحبه من تحت الجلد جراحياً.

وأما النوع الثاني فهو : عمليات التشبيب : وهو الذي يجري لكبار السن، ويُقصد منه إزالة آثار الكبر والشيخوخة، ومن أشهر صوره ما يلي:

- تجميل الوجه بشد تجاعيده، سواء برفع جزء منه، أو برفع جزء منه ومن الرقبة، وهو ما يسمى بالرفع الكامل ، وكذلك تجميله بعملية القشر الكيماوي.

- تجميل الأرداف، وذلك بإزالة المواد الشحمية في المنطقة الخلفية العليا، أو المنطقة الجانبية من الأرداف ثم تشد جلدتها، ويهذب حجمها بحسب الصورة المطلوبة.

- تجميل الساعد، وذلك بإزالة القسم الأدنى من الجلد والشحم.

- تجميل اليدين، ويسمى في عرف الأطباء ( بتجديد شباب اليدين ) ، وذلك بشد التجاعيد الموجودة في أيدي المسنين والتي تشوه جمالها.
- تجميل الحواجب، وذلك بسحب المادة الموجبة لانتفاخها، نظراً لكبر السن وتقدم العمر.

فهذه هي مجمل صور الجراحة التجميلية كما بينتها الكتب المختصة بجراحة التجميل.

موقف الشريعة الإسلامية من هذه الجراحة:

هذا النوع من الجراحة لا يشتمل على دوافع ضرورية، ولا حاجية، بل غاية ما فيه تغيير خلقة الله تعالى، والعبث بها حسب أهواء الناس، وشهواتهم، فهو غير مشروع، ولا يجوز فعله، وذلك لما يأتي:

اولاً: لقوله تعالى - حكاية عن إبليس لعنه الله - :  (... ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ..)

وجه الدلالة : أن هذه الآية الكريمة واردة في سياق الذم، وبيان المحرمات التي يسول الشيطان فعْلها للعصاة من بني آدم، ومنها تغيير خلقة الله. وجراحة التجميل التحسينية تشتمل على تغيير خلقة الله، والعبث فيها حسب الأهواء والرغبات ، فهي داخلة في المذموم شرعاً، وتعتبر من جنس المحرمات التي يسول فعلها للعصاة من بني آدم.

ثانياً: لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله r يلعن المتنمصات والمتفلجات للحسن اللآتي يغيرن خلق الله  .

وجه الدلالة :أن الحديث دل على لعن من فعل هذه الأشياء، وعلل ذلك بتغيير الخلقة ، وفي رواية : (والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله). فجمع بين تغيير الخلقة وطلب الحسن ، وهذان المعنيان موجودان في الجراحة التجميلية التحسينية، لأنها تغيير للخلقة بقصد الزيادة في الحسن، فتعتبر داخلة في هذا الوعيد الشديدولا يجوز فعلها.

ثالثاً: لا تجوز جراحة التجميل التحسينية كما لا يجوز الوشم، والوشر، والنمص، بجامع تغيير الخلقة في كلٍ طلباً للحسن والجمال.

رابعاً: أن هذه الجراحة تتضمن في عدد من صورها الغش والتدليس وهو محرم شرعًا، ففيها إعادة صورة الشباب للكهل والمسن في وجهه وجسده، وذلك مفض للوقوع في المحظور من غش الأزواج من قبل النساء اللاتي يفعلن ذلك، وغش الزوجات من قبل الرجال اللذين يفعلون ذلك.

خامسا : أن هذه الجراحة لا يتم فعلها إلا بارتكاب بعض المحظورات وفعلها ، ومن تلك المحظورات التخدير .

سادسا : أن هذه الجراحة لا تخلو من الأضرار والمضاعفات التي تنشأ عنها ففي جراحة تجميل الثديين بتكبيرهما عن طريق حقن مادة السلكون أو الهرمونات الجنسية يؤدي ذلك إلى حدوث أخطار كثيرة إضافة إلى قلة نجاحها  .

ثم قال الشيخ وفقه الله :

وبناءً على ما سبق من الأدلة النقلية والعقلية، ونظراً لما يتضمنه هذا النوع من الجراحة من العبث بخلق الله من دون وجود ضرورة أو حاجة داعية إلى ذلك فإنه يحرم فعله والإقدام عليه من قبل الطبيب الجراح والشخص الطالب، وتعتبر الدوافع التي يعتذر بها من يفعله من كون الشخص يتألم نفسياً بسبب عدم تلبية رغبته بفعل هذا النوع من الجراحة غير كافية في الترخيص له بفعله.

وتعتذر طائفة من هذا النوع بعدم بلوغهم لأهدافهم المنشودة في الحياة بسبب عدم اكتمال جمالهم.

والحق أن علاج هذه الأوهام والوساوس إنما هو بغرس الإيمان في القلوب، وزرع الرضا عن الله تعالى فيما  قسمه من الجمال والصورة، والمظاهر ليست هي الوسيلة لبلوغ الأهداف والغايات النبيلة، وإنما يدرك ذلك بتوفيق الله تعالى ثم بالتزام شرعه والتخلق بالآداب ومكارم الأخلاق.انتهى كلامه باختصار .

9- أحكام جراحة التجميل للدكتور محمد عثمان شبير:

يقول - وفقه الله - :

والحكم في عملية شد التجاعيد يختلف تبعا لسن المرأة التي تفعل بها تلك العملية . فإذا كانت كبيرة في السن وحدثت فيها التجاعيد نتيجة الشيخوخة ، فلا يجوز لها فعل تلك العملية لما فيها من التدليس وإظهار صغر السن وتغيير خلق الله . وإن كانت صغيرة في السن وحدثت فيها التجاعيد نتيجة أسباب مرضية فيجوز لها معالجة المرض والآثار المترتبة على المرض كالتجاعيد  بشرط أن لا تؤدي تلك العملية إلى ضرر أكبر . والله أعلم .
 

عمليات تجميل الوجه بالطرق الحديثة

الكريمات والمستحضرات الطبية التقشيير الكيميائي- الحقن بمادة الكولاجين ونحوها

 

1- أحكام النساء لابن الجوزي (339) :

قال رحمه الله : وأما الأدوية التي تُزيل الكَلَف وتحسّن الوجه للزوج، فلا أرى بها بأساً  .

 

2- عمدة القاري للبدر العيني  ( 20/193 ) :

قال رحمه الله : ولا يُمنع من الأدوية التي تزيل الكَلَف وتحسّن الوجه للزوج .

 

3- غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام ( 3/123 ) :

قال رحمه الله في حديث النبي ( أنه لعن القاشرة والمقشورة ) :

نراه أراد هذه الغُمْرة التي تعالج بها النساء وجوههن حتى ينسحق أعلى الجلد يبدو ما تحته من البشرة ; وهذا شبيه بما جاء في النامصة والمنتمصة والواشمة والمستوشمة .
 

4- غريب الحديث لابن الجوزي ( 2/245 ) :

قال رحمه الله :( ولعن القَاشِرَةَ والمَقْشُورَةَ ) ، وهي : التي تَقْشِرُ وَجْهَها بالدَّواءِ ليصفوا لَوْنُهَا.

 

5- أحكام جراحة التجميل  للدكتور محمد عثمان شبير ( 24/25 ) :

قال -وفقه الله- : وقد حرّم العلماء قَشْر الوجه؛ لما فيه من تغيير خلق الله تعالى، ولما يترتب عليه من أضرار يتأذى بها الجلد فيما بعد . واستدلوا لذلك بما يلي :

أ - ما روي الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله يلعن القاشرة والمقشورة، والواشمة والموشومة، والواصلة والموصولة).

ب- وروى الإمام أحمد أيضا عن كريمة بنت همام قالت : سمعت عائشة رضي الله عنها تقول : ( يا معشر النساء إياكن وقشر الوجه ، فسألتها عن الخضاب . فقالت : لا بأس بالخضاب ، ولكني أكرهه لأن حبيبي كان يكره ريحه) .
 

فالمعنى الذي لأجله نُهى عن القشر هو: التغيير للخِلْقة ، والتعذيب والإيلام بقشر الوجه ، ولا يدخل في هذا النهي ما تستعمله المرأة من أدوية ومراهم لإزالة الكَلَف وتحسين الوجه .

 

6- الجراحة التجميلية – رسالة دكتوراه – للدكتور صالح بن محمد الفوزان ( 261) :

قال – وفقه الله –

وقد قرر بعض الفقهاء حرمة قَشْر الوجه لعدد من الأدلة ...ثم قال :

إلا أن الحديثين – الواردين في لعن القاشرة والمقشورة – ضعيفان كما في تخريجهما ، وأما ضرر هذا الإجراء فإنه يمكن تلافي ذلك من خلال إجراء قَشر الوجه تحت الإشراف الطبي للتحقق من المادة المقشرة ؛ لذا فلا يظهر لي إطلاق القول بتحريم قشر الوجه لضعف أدلته ، ولما جاء من حثّ المرأة على التزين لزوجها ، ويندرج في عموم ذلك تحسين الوجه .
ثم قال -وذلك عند حديثه عن الحكم الفقهي لإزالة تجاعيد الوجه بالوسائل الحديثة (263)- :

تقدّم أن هذه الطرق كثيرة متفاوتة في أثرها وتفاصيل إجرائها، إلا أنه يمكن تقسيمها إلى قسمين:

القسم الأول: إجراءات ذات أثر سطحي مؤقت، وذلك كإزالة التجاعيد بالمستحضرات الطبية كالكريمات والدهانات، والتقشير الكيميائي السطحي الذي يُجري لتنظيف الوجه وإزالة ما فيه من آثار مشوهة ، والتنعيم الكريستالي الذي لا يدوم أثره عادةً أكثر من ثلاثة أيام أو خمسة ، وحكم هذا القسم الجواز ما لم يكن فيه ضرر طبي، وذلك لما يلي:

أ - أنه يندرج ضمن التزين الذي وردت الرخصة فيه، بل قد يكون مشروعاً كما في تزيُن المرأة لزوجها، فقد يكون في وجهها من التجاعيد والتشوهات ما ينفر زوجها عنها، وفي إزالتها بمثل هذه المزيلات المؤقتة التي لا تترك أثراً واضحاً تحقيق لأهداف الزواج من السكن والمودة والرحمة ومحبة الزوج لزوجته ؛ قال ابن الجوزي رحمه الله  بعد ذكر حكم قشر الوجه: (وأما الأدوية التي تُزيل الكلف وتحسن الوجه للزوج، فلا أرى بها بأساً) .

ب - أن الأصل في الأشياء الإباحة، ولم يرد في مثل ذلك نص يدل على التحريم، وأما تغيير خلق الله تعالى فإن هذه الإجراءات ليست منه ؛ ذلك أن المحرَّم من تغيير خلق الله إنما هو فيما يكون باقياً، كالوشم والتفليج ، وبعض الجراحات التجميلية التي سبق ذكرها ، وقد تقدم أن التغيير المحرَّم : إحداث تغيير دائم في خِلْقةٍ معهودةٍ . أما ما لا يبقى كالكحل والحناء ونحوهما فإن النهي لا يتناولهما ، وهذه الإجراءات التي تزيل التجاعيد لا تبقى ، بل هي قصيرة الأمد ، وتحتاج المرأة إلى تكرارها في مدد قصيرة.

ج - قياس هذه الإجراءات على تحمير الوجه من ناحية زوال أثرها بسرعة، وقد أجاز بعض الفقهاء التحمير؛لأنه وسيلة تجميل يسرع إليه التغيير والزوال، فليس من تغيير  خلق الله تعالى، ومثله مساحيق الوجه الحديثة التي تضعها النساء على وجوههن للزينة.

القسم الثاني :إجراءات ذات أثر عميق يستمر لمدة زمنية طويلة ، وذلك كبقية أنواع التقشير ، وإزالة التجاعيد بالحقن وجراحة شدّ الوجه . وحكم هذا القسم يختلف باختلاف دواعي إجرائه؛ ذلك أن له حالتين:

الحالة الأولى: أن يُصاب الشخص بهذه التجاعيد بصورة غير معتادة، كما لو أُصيب بها صغير السن بسبب الأمراض والعوامل الخارجية التي سبقت الإشارة إليها، وكما لو كانت هذه التجاعيد على هيئةٍ غير معهودة ، ولو عند كبير السن بسبب مرض أو غيره، فتُزال هذه التجاعيد والترهُلات عن طريق الوسائل السابقة. وحكم هذه الحالة الجواز، وذلك لما يلي:

أ - أن إصابة الوجه بالتجاعيد في هذه الحالة ليس معتاداً، بل هو تشوّه وعيب وخِلْقة غير معهودة، وهذه حاجة تجيز العلاج وإزالة العيب، وهذا مستثنى من عموم نصوص تحريم تغيير خلق الله تعالى ؛ لوجود حاجة العلاج فيه، ويدل على ذلك قيد (للحُسْن) في حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وفيه: (والمتفلّجات للحُسْن المغيرات خلق الله) ، وفي بعض رواياته تقييد اللعن بلفظ (إلا من داء)، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (من غير داء)، ولذا قال الشوكاني: قوله: ( إلا من داء) ظاهره أن التحريم المذكور إنما هو فيما إذا كان لقصد التحسين لا لداء وعلّة، فإنه ليس بمحرم )، وقد تقدّم تقرير ذلك في الباب الأول.

ب - أن هذا النوع من الجراحة لا يشتمل على تغيير الخِلقة قصداً، بل فيه إعادة إلى أصلها المعتاد.

ج - أن هذه التجاعيد غير المعهودة فيها تشويه ظاهر للوجه، ويتضرر منها الجلد، مع ما في مظهر الوجه من الضرر النفسي الذي يصيب صاحبه، وإزالة الضرر جائزة، فهذه الجراحات لإزالة العيب المشتمل على الضرر، والتجميل جاء تبعاً. وينبغي التأكد على ضرورة التحقق من عدم ضرر هذه الإجراءات لإزالة التجاعيد، فإن كان فيها ضرر لم تجز؛ ذلك أنه تقرر أن (الضرر لا يزال بالضرر).

الحالة الثانية: أن يصاب الشخص بهذه التجاعيد بصورة معتادة، كما لو كان كبير السن وظهرت التجاعيد على هيئة معتادة في هذه السن، ثم تزال هذه التجاعيد بهذه الوسائل.

وحكم هذه الحالة التحريم ؛ وذلك لما يلي:

أ - أن إزالة التجاعيد في هذه الحالة ليست لإزالة عيب غير معتاد ؛ لأن وجودها في هذه الحالة خِلْقة معهودة، وليس لها دوافع ضرورية أو حاجّية، وفيها اعتداء على حرمة جسم المعصوم وجرح له دون عذر، فهي من تغيير خلق الله تعالى، وتتناولها النصوص الدالة على حرمة تغيير خلق الله، ومن ذلك قوله تعالى: (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) ( النساء: 119) . وحديث ابن مسعود رضي الله عنه : (لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات ،والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) . وإزالة التجاعيد في هذه الحالة يشتمل على تغيير الخَلْق لزيادة الحُسْن، فهي داخلة في هذه النصوص.

ب - أن رسول الله سئل: يا رسول الله ، أنتداوى؟ فقال: (تداووا، فإن الله لم يَضَعْ داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد الهَرَم) رواه أبو داود بإسناد صحيح .
ووجه دلالته: أن الرسول استثني الهَرَم، إذْ لا علاج له، مما يدل على أن علاج آثاره كتجاعيد الوجه وترهّل جلده لمحاولة التظاهر بصغر السن مصادمة للسنن الإلهية ومحكوم عليه مسبقاً بالفشل، فهو ضرب من ضروب العبث والتدليس وإيهام بخلاف الواقع. أهـ

7- الضوابط الشرعية لعمليات تحسين القوام والحقن التجميلي) -بحث - للدكتور عبد العزيز الفوزان :

قال - وفقه الله – :

الكولاجين مادة بروتينية تؤخذ من الجسم، وتُحقن في الوجه لملء التجاعيد وعلاج التشوّهات، وأشهر أنواعه الكولاجين البقري الذي يُستخرج من الأبقار، ثم تُجرى له عدّة إجراءات لتصنيعه في شكل حُقن .

ثم قال بعد أن ذكر كلاماً طويلاً : وخلاصة ما سبق أنه يجوز حقن الكولاجين بالشروط الآتية:

أ - أن يكون الكولاجين طاهراً.

ب- أن تكون المصلحة في حقنه ظاهرة، وتربو على ما يتوقع فيها من أضرار.

ج- أن يكون الغرض من الحقن علاج عيب طارئ أو إزالة تشوّه كما في إزالة التجاعيد غير المعتادة، فإن ترتَّب عليه عبث أو تدليس أو تغيير لخلق الله لم يجز كما في إزالة التجاعيد المعتادة التي تظهر على كبار السن. أهـ .
 

تَشْقِير الحاجب ورَسْمه

جاءت نصوص المعاصرين تجاه هذه المسألة على النحو التالي :

1- اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية :

فقد وُجّه إليها الاستفتاء التالي : 

انتشر في الآونة الأخيرة بين أوساط النساء ظاهرة تشقير الحاجبين ؛ بحيث يكون هذا التشقير من فوق الحاجب ومِن تحته بشكل يُشابه بصورة مطابقة للنمص ؛ من ترقيق الحاجبين ، ولا يخفى أن هذه الظاهرة جاءت تقليداً للغرب ، وأيضاً خطورة هذه المادة المُشقّرة للشعر من الناحية الطبية ، والضرر الحاصل له ، فما حُـكم الشرع في مثل هذا الفعل؟

وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي :

إن تشقير أعلى الحاجبين وأسفلهما بالطريقة المذكورة لا يجوز ؛ لما في ذلك من تغيير خلق الله سبحانه ، ولمشابهته للنمص المحرّم شرعاً ، حيث إنه في معناه ، ويزداد الأمر حُرمة إذا كان ذلك الفعل تقليداً وتشبّهاً بالكفار ، أو كان في استعماله ضرر على الجسم أو الشعر ؛ لقول الله تعالى:(وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ(  وقوله : (لا ضرر ولا ضرار) وبالله التوفيق. اهـ. فتوى رقم (21778) بتاريخ 29/12/1421 هـ ..
 

2- الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين :

سئل الشيخ رحمه الله هذا السؤال: ما حكم صبغ شعر الحاجبين بلون يقارب لون البشرة؟

فأجاب بقوله: الحمد لله، لا بأس به؛ لأن الأصل في هذه الأمور الإباحة إلاّ بدليل يقتضي التحريم أو الكراهة من الكتاب والسنة. من فتاوى الشيخ لمجلة الدعوة العدد 1741 ص36 ( بتاريخ 7/2/1421هـ)

3- د. عبد الوهاب بن ناصر الطريري  عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً):

سئل الشيخ: هل يجوز تشقير الشعر الزائد بين الحاجبين لإخفائه بدل إزالته؟

فأجاب بقوله : تشقير الحواجب جائز ، ورسمها كذلك جائز إذا لم يصاحبه نتف شيء منها ، وهو النمص التاريخ ( 2/11/1422هـ).

4- سامي بن عبد العزيز الماجد (عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) :

سئل الشيخ : ما حكم تشقير الحواجب؟

فأجاب بقوله: الحمد لله حده، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:

تشقير الحواجب جائز -فيما يظهر لي- ؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يُنتقل عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح ، وتعليل صريح قوي يوجب الانتقال من هذا الأصل، ولم أجد عند من حرَّم التشقير دليلاً يصح التعويل عليه في التحريم، وغاية ما استدلوا به أن التشقير تغيير لخلق الله، كالنمص وتفليج الأسنان، وفي هذا نظر؛ فالتشقير إنما هو صبغ لشعر الحواجب بلون الجلد بحيث يبدو محددًا مرسومًا، وليس في هذا تغيير لخلق الله المنهي عنه، وإنما هو كتغيير شيب اللحية بالخضاب ونحوه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم به . وكتغيير لون شعر الرأس من لون الشيب إلى غيره، فدل هذا الترخيص على أن صبغ الشعر وتخضيبه ليس من قبيل تغير خلق الله فما يقال في شعر الرأس يقال في شعر الحواجب ، لا فرق بينهما ، لكن لا يجوز تشقير الحواجب للخاطب ؛ لما فيه من الغش والتدليس، ويجوز لأجل أفراح النساء؛ لافتقار هذه العلة. التاريخ (4/8/1425هـ) . أهـ.
 

الخلاصــة

 

يتضح لنا من مجموع  النصوص السابقة ما يلي :

أولاً : جراحات التجميل ( تكبير الأعضاء أو تصغيرها ،  شدّ التجاعيد ، إزالة الترهّلات ... على نوعين :

1- نوع يقصد منه العلاج من مرض ، أو إزالة تشوه أو عيب خَلْقي أو طارئ نتيجة لحادث ونحوه فهذا لا بأس به ولا حرج.

2- ونوع يُقصد منه مجرد  طلب الجمال وزيادة الحُسْن ، أو إيهام صغر السن ونحو ذلك فهذا مُحرَّم ولا يجوز ، وهو داخل في تغيير الخِلقة  . ولا فرق بين المتزوجة وغير المتزوجة ، ولا بين الصغيرة والكبيرة .

وتجدر الإشارة إلى أن هذا يشابه ما جاء في فتوى هيئة الفتوى الكويتية الموقَّرة والتي تحمل رقم (3559) (مرفق بهذا البحث صورة من الفتوى المشار إليها) .
 

ثانياً : عمليات تجميل الوجه :

1- تجميل الوجه بالكريمات ، والمستحضرات الطبية وغير ذلك من الأشياء التي تُحسّن الوجه ولا يدوم أثرها لا بأس بها قياساً على الكحل والحناء . وكذا الحكم بالنسبة للتقشيير الكيميائي السطحي الذي يجرى لتنظيف الوجه وإزالة ما فيه من أثار مشوّهة . خلافاً لبعض الفقهاء الذين يرون حرمة قشر الوجه عموماً( السطحي منه والعميق )  .

2- تجميل الوجه عن طريق التقشيير الكيميائي العميق أو التقشيير بالصنفرة أو بالليزر ونحو ذلك أو عن طريق جراحة شد الوجه وغير ذلك من الأشياء التي لها أثر عميق وتستمر مدة زمنية طويلة كل ذلك له حالتان :

الحالة الأولي : أن يكون ذلك بغرض العلاج والتداوي وإزالة هذه العيوب وتلك التجاعيد أو الترهلات غير المعتادة فلا بأس به .

الحالة الثانية : أن يكون ذلك لمجرد العبث و طلب الجمال والحُسْن فحينئذٍ يكون ذلك محرما ً ، وداخل في تغيير الخلقة. 

3- تجميل الوجه عن طريق الحقن بمادة الكولاجين وغيره من أنواع الحَقْن المختلفة يجوز إذا كان بقصد العلاج والتداوي ، وكانت المادة المستخلص منها طاهرة ، وكانت المصلحة في حقنه ظاهرة ، وتربو على ما يتوقع فيها من أضرار وإلا فلا يجوز .

 

ثالثاً : تشقير الحاجب ورسمه : فيه قولان لأهل العلم ؛ قول بالحل ، وقول بالحرمة .

والله تعالى أعلى وأعلم .
 

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

وحدة البحث العلمي

بإدارة الإفتاء

 

 

 
عدد القراء : 12046