بطلان الوكالة بالجنون والسفه والعجز
 
 
 

مسـألـة

هل ينعزل الوكيل إذا فقد الموكِّل أهلية التصرف بجنون أو خرف أو سفه
 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على إمام الأولين والآخرين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، ومن سار على نهجهم واتبع هديهم إلى يوم الدين ، أما بعد :

بالإشارة إلى الكتاب الموجه من مدير إدارة الإفتاء، والذي يتضمن طلب لجنة الأحوال الشخصية نقل نصوص الفقهاء في مسألة:

إذا فقد الموكل أهليته بجنون أو خرف أو ضياع عقل أو غيره، فهل تبطل الوكالة وينعزل الموكل، وهذه أقوال الفقهاء من أئمة المذاهب - رحمهم الله تعالى - في هذه المسألة:

أولاً: مذهب الحنفية :

ذهب السادة الحنفية - رحمهم الله تعالى - إلى أن الجنون مبطل للوكالة، سواء طرأ الجنون على الوكيل أو الموكل ، ولا تعود الوكالة بعدها ولو أفاق المجنون.

واشترطوا لبطلان الوكالة بجنون الموكل أمرين :
 
) أن لا تكون الوكالة فيما لا يملك الموكل فيه عزل وكيله؛ كالوكالة ببيع الرهن؛ فإنها لا تبطل عندهم بالعزل ولا بالخروج عن الأهلية ؛ لأنه تعلق بها حق الغير.

2) أن يكون الجنون مطبقاً ، فإن كان جنونه أو ذهاب عقله لساعة ثم عاد ، فالوكيل على وكالته ؛ لأن هذا بمنزلة النوم ، لا تنقطع به الوكالة ، ولا يحتاج معه إلى ولي.

ومع اتفاقهم على هذا الشرط ، إلا أنهم اختلفوا في تقدير حد الجنون المطبق.

أ - فذهب أبو يوسف - رحمه الله تعالى - إلى تقديره بما يستوعب الشهر.

ووجهه: أن الشهر هو أدنى ما يسقط به قضاء الصوم؛ فكان التقدير به أولى.

ب- وروي عن أبي يوسف أيضاً أنه حدَّه بأكثر من يوم وليلة.

ووجهه أن الجنون إذا زاد على يوم وليلة كان مسقطاً لقضاء الصلاة ، فقدِّر به احتياطاً .

ج- وذهب محمد بن الحسن - رحمه الله تعالى - إلى أن حد الجنون المطبق ما يستوعب السنة ؛ لأن استيعابها مسقط للعبادات كلها ، فكان التقدير بها أولى .

قال في المبسوط (6/532) : «وإذا وكَّل وكيلاً في بيع أو شراء أو خصومة فذهب عقل الموكِّل زماناً فقد خرج الوكيل من الوكالة؛ لأنه نائب عن الموكل، وهو إنما انتصب نائباً عن الموكِّل باعتبار رأي الموكِّل، وقد خرج الموكِّل بالجنون المطبق من أن يكون أهلاً للرأي، وصار مولًّى عليه، فبطلت وكالة الوكيل كما تبطل بموته. وهذا في موضع كان للموكِّل أن يُخرجه من الوكالة، فأما في كل موضع فلم يكن له أن يخرجه منها، فلا تبطل بجنونه؛ مثل الأمين باليد والعدل إذا كان مسلَّطاً على البيع فجن الرَّاهن؛ لأن حق الغير هناك ثبت في العين وصار ذلك لازماً على الموكِّل، فلا يبطل بجنونه ولا بموته إذا نفي المحل. فأما الوكيل بالخصومة إذا كان بالتماس الخصم فجُنَّ الموكِّل أو مات بطلت الوكالة؛ لأن هذه الوكالة لم تكن لازمة على الموكل».

قال في البحر الرائق (7/188): «قوله: (وَمَوْتُ أَحَدِهِمَا وَجُنُونُهُ مُطْبِقًا وَلُحُوقُهُ مُرْتَدًّا) أي تَبطُلُ بهذه الأشياء؛ لأنَّ التَّوكيلَ تَصَرُّفٌ غَيرُ لازمٍ؛ فيكونُ لِدَوَامِهِ حُكمُ ابتدائِهِ؛ فلا بُدَّ من قيامِ الأَمرِ وقد بَطَلَ بهذه العَوَارِضِ».
 

ثم قال (7/189) : «وبهذا عُلِمَ أنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بِفَقْدِ المُوكِّلِ في حَقِّ التَّصَرُّفِ لا الحِفظِ. وظاهر إطلاقِ المؤَلِّف رحمه الله تعالى أنَّ كُلَّ وَكَالَةٍ تَبْطُلُ بموتِ المُوَكِّلِ وجُنونهِ. وليس كذلك؛ ففي الْبَزَّازِيَّةِ: قولُهُم يَنْعَزِلُ بِجُنُونِ المُوَكِّلِ وَمَوتِهِ مُقَيَّدٌ بِالمَوضِعِ الذي يَمْلِكُ المُوَكِّلُ عَزْلَ وَكِيلِهِ، فأمَّا في الرَّهنِ فإذا وَكَّلَ الرَّاهِنُ العَدْلُ أو المُرْتَهِنُ ببَيعِ الرَّهْنِ عند حُلُولِ الأجَلِ أو الوَكيلَ بالأَمرِ باليَدِ، لا يَنعَزِلُ وإن مات المُوَكِّلُ أو جُنَّ، والوَكِيلُ بالخُصُومَةِ بِالْتِمَاسِ الخَصْمِ يَنعَزِلُ بِجُنُونِ الْمُوَكِّلِ وَمَوتِهِ، وَالوَكِيلُ بِالطَّلاق يَنعَزِلُ بمَوتِ المُوكِّلِ استحسانًا لا قياسًا. اهـ».

أما إذا أصاب المُوكِّل عَجْزٌ أو حُجِرَ عليه لسَفهٍ؛ فإن الوكالة تبطل في العقود والخصومات؛ لأن قيام الوكالة يعتمد قيام أهلية أمره، فإذا بطلت أهلية أمره بالتصرف في المال فيبطل الأمر ، فتبطل الوكالة .

أما إذا كانت الوكالة في قضاء الدَّين واقتضائه وقبض الوديعة ، فلا تبطل بالعجز والحجر؛ لأنهما يوجبان الحجر عن إنشاء التصرف لا عن قضاء الدين واقتضائه.
 

قال في البحر الرائق (7/189) : « قوله: (وَعَجْزُ مُوَكِّلِهِ لو مُكَاتَبًا وَحَجْرُهُ لو مَأْذُونًا) لما ذكرنا أنَّ قيامَ الوَكَالَةِ يعتمدُ قيامَ الأمرِ، وقد بَطَلَ بالحَجْرِ والعَجْزِ، عَلِمَ أو لم يَعلَم. أطْلَقَهُ وهو مُقَيَّدٌ بما إذا كان وَكِيلاً في العقودِ والخُصُوماتِ، وأمَّا الوكِيلُ في قضاءِ الدَّين وَاقتضَائِهِ فلا يَنعَزِلُ بِهِما؛ لأنَّهما يُوجِبانِ الحَجْرَ عن إنشاءِ التَّصَرُّفِ لا عن قضاءِ الدَّينِ وَاقتِضَائِهِ، فكذا لا يُوجِبُ عَزلَ وَكيلِهِ، وكذا الوَكيلُ بقَبضِ الوَديعَةِ لم ينعزل بعَجْزِهِ وحَجْرِهِ، كما في كافي الحاكم ».

 

ثانياً : مذهب المالكية :

ذهب السادة المالكية - رحمهم الله تعالى - إلى أن الوكيل لا ينعزل بمجرد جنون موكله إلا إذا طال جنونه جداً ، وينظر له الحاكم .

أما في حال الحجر عليه لفلس؛ فإن الوكالة تبطل بالفلس الأَخصِّ للموكِّل، ولا تبطل بالفلس الأعم؛ لأن الحق ينتقل في الفلس الأخص إلى الغرماء.

والفرق بين الفلس الأخص والأعم، أن الفلس الأخص هو حكم الحاكم بخلع ما بيد المفلس لغرمائه إذا طلبوا تفليس المدين، وكان الدين الذي عليه حالاًّ ، ويكون الدين يزيد على ما بيد المدين من المال.

أما الفلس الأعم فهو منع من أحاط الدين بماله من التبرع بعتق، أو هبة، أو صدقة، أو حبس، أو حمالة، سواء كان الدين حالاًّ أو مؤجلاً .

قال في حاشية الدسوقي (3/396) : «لا ينعزل الوكيل بجنونه أو جنون موكِّلِهِ، إلا أن يطول جنون المُوكِّل جدًّا فينظر له الحاكم » .

وفي حاشية الصاوي على الشرح الصغير (2/189) - عند شرحه لقول المصنف: (وانعزل بموت موكله)- قال: «أي: وكذا بفلسه الأخص؛ لانتقال الحق للغرماء» .

ثالثاً: مذهب الشافعية .

يرى السادة الشافعية - رحمهم الله تعالى - أن الوكالة تبطل بجنون الموكِّل وذهاب عقله إذا كان جنونه يطول حتى يصير إلى حال يُوَلَّى عليه؛ لأنه أصبح بجنونه باطل التصرف، فبطل معه تصرف من وكَّلَهُ .

والمذهب عند الشافعية أن الوكالة تبطل أيضاً إذا كان الجنون قريباً لا يطول به ويفيق منه سريعاً قبل أن يُوَلَّى عليه؛ للمعنى الذي ذكروه في الجنون الذي يطول.

أما أبو العباس بن سريج - رحمه الله تعالى - فيرى صحة الوكالة وعدم بطلانها في الجنون القريب الذي لا يطول؛ لأن قصور مدته وسرعة إفاقته تجعله كالنوم، فيعفى عنه؛ لانتفاء الخوف عنه .

أما إذا أصاب الموكِّل سفه؛ فيرى الشافعية أنه يجوز له أن يوكل في الطلاق والخلع والرجعة وقبول الوصية والهبة ولا تبطل به الوكالة. أما تصرفه وتوكيله فيما سوى ذلك فلا يجوز، فإذا طرأ السَّفه بعد التوكيل فيما سوى ما ذكر، فإن الوكالة تبطل.

وأما المفلس فيجوز تصرفه في المال الذي ليس في يده؛ لأن الحجر يتناول ما بيده من المال دون غيره، وبالتالي لا يجوز التوكيل في المال المحجور عليه فيه لبطلان تصرفه فيه ، ويجوز توكيله فيما سواه من العقود كالبيع والنكاح وغيره .

قال في الحاوي (8/196) : «فَأَمَّا الْعَاقِلُ إِذَا وَكَّلَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ جُنَّ بَعْدَ تَوْكِيلِهِ فَلَهُ حَالَتَانِ :

إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَطُولَ بِهِ الْجُنُونُ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى حَالٍ يُوَلَّى عَلَيْهِ؛ فَالْوَكَالَةُ قَدْ بَطَلَتْ؛ لأَنَّهُ لَمَّا صَارَ بِالْجُنُونِ بَاطِلَ التَّصَرُّفِ كَانَ تَصَرُّفُ مَنْ تَوَكَّلَ مِنْ جِهَتِهِ أَبْطَلَ .

وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ لا يَطُولَ بِهِ الْجُنُونُ حَتَّى يُفِيقَ مِنْهُ سَرِيعًا قَبْلَ أَنْ يُوَلَّى عَلَيْهِ؛ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بُطْلانُ الْوَكَالَةِ؛ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا، وَسَوَاءٌ صَارَ مَأْلُوفًا أَوْ غَيْرَ مَأْلُوفٍ.

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: الْوَكَالَةُ صَحِيحَةٌ لا تَبْطُلُ لا سِيَّمَا إِذَا صَارَ مَأْلُوفًا؛ لأَنَّ قُصُورَ مُدَّتِهِ وَسُرْعَةَ إِفَاقَتِهِ تَجْعَلُهُ عَفْوًا كَأَوْقَاتِ النَّوْمِ لانْتِفَاءِ الْخَوْفِ عَنْهُ .

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : مَنْ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ عَلَى حَالٍ دُونَ حَالٍ، وَفِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ؛ وَهُمْ ثَلاثَةٌ : السَّفِيهُ وَالْمُفْلِسُ وَالْعَبْدُ .

فَأَمَّا السَّفِيهُ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالطَّلاقِ وَالْخُلْعِ وَالرَّجْعَةِ وَقَبُولِ الْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، وَلا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيمَا سِوَاهُ وَلا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ .

وَأَمَّا الْمُفْلِسُ؛ فَيَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيمَا سِوَى الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ؛ لأَنَّ حَجْرَ الْمُفْلِسِ إِنَّمَا تَنَاوَلَ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ دُونَ غَيْرِهِ . فَعَلَى هَذَا لا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْمَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِيهِ؛ لِبُطْلانِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكَّلَ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ عَقْدِ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ».

وقال في روضة الطالبين (4/330) : «ينعزل الوكيل بخروجه أو خروج الموكِّل عن أهلية تلك التصرفات بالموت أو الجنون .

 وفي وجه: لا ينعزل بجنون لا يمتد بحيث تتعطل المهمات، ويخرج إلى نَصْب قوَّام .

والإغماء كالجنون على الأصح . والثاني: لا ينعزل به، واختاره الإمام والغزالي في الوسيط؛ لأن المغمى عليه لا يلتحق بمن تولى عليه .

 والمعتبر في الانعزال التحاق الوكيل والموكل بمن تولَّى عليه

 وفي معنى الجنون الحجر عليه بسفه أو فلس في كل تصرف لا ينفذ منهما».

وفي مغني المحتاج (2/232-233) : «(وينعزل) أيضاً (بخروج أحدهما) أي الموكل والوكيل (عن أهلية التصرف بموت أو جنون) وإن زال عن قرب؛ لأنه لو قارن مَنَعَ الانعقادَ ، فإذا طرأ قطعه .

قال في المطلب: والصواب أن الموت ليس بعزل، بل تنتهي الوكالة به كالنكاح.

قال الزركشي: وفائدة عزل الوكيل بموته انعزال من وكله عن نفسه إن جعلناه وكيلاً عنه. اهـ.

وقيل : لا فائدة لذلك في غير التعاليق.

(وكذا إغماء) ينعزل به (في الأصح) إلحاقاً له بالجنون.

والثاني: لا ينعزل؛ لأنه لم يلتحق بمن يولَّى عليه، واختاره السبكي تبعاً للإمام وغيره.

وعلى الأول: يستثنى الوكيل في رمي الجمار؛ فإنه لا ينعزل بإغماء الموكل، كما مرَّ في الحج. ومن الواضح أنه لا ينعزل بالنوم وإن خرج به عن أهلية التصرف.

تنبيه : لو اقتصر المصنف على قوله (بخروج أحدهما عن أهلية التصرف) لكان أخصر وأشمل؛ ليشمل ما لو حجر عليه بسفه أو فلس أو رق، فيما لا ينفذ منه أو فسق فيما العدالة شرط فيه ».

 

رابعاً : مذهب الحنابلة .

يذهب السادة الحنابلة - رحمهم الله تعالى - إلى أن الموكل أو الوكيل إذا خرج عن أهلية التصرف بجنون؛ فحكمه حكم الموت من حيث بطلان الوكالة؛ لفقده أهلية التصرف ، ومن كان كذلك لا يمكنه تمليك غيره من جهته .

ومثله إذا حجر على الموكل لسفه أو فلس ، إذا كانت الوكالة في أعيان ماله . أما إذا كانت في الخصومات أو الشراء في الذمة أو الطلاق أو الخلع أو القصاص، فلا تبطل الوكالة ؛ لبقاء أهليته في ذلك .

قال في المغني (5/243) : «ومتى خرج أحدهما عن كونه من أهل التصرف؛ مثل أن يجن أو يحجر عليه لسفه؛ فحكمه حكم الموت؛ لأنه لا يملك التصرف، فلا يملّكه غيره من جهته، قال أحمد: في الشركة إذا وسوس أحدهما فهو مثل العزل .

وإن حجر على الوكيل لفلس فالوكالة بحالها؛ لأنه لم يخرج عن كونه أهلاً للتصرف، وإن حجر على الموكل وكانت الوكالة في أعيان ماله بطلت لانقطاع تصرفه في أعيان ماله، وإن كانت في الخصومة أو الشراء في الذمة أو الطلاق أو الخلع أو القصاص؛ فالوكالة بحالها؛ لأن الموكل أهل لذلك، وله أن يستنيب فيه ابتداءً، فلا تنقطع الاستدامة » .

وقال في الإنصاف (5/368-369) : «تبطل الوكالة بموت الوكيل أو الموكل بغير خلاف نعلمه ، لكن لو وكل ولي اليتيم وناظر الوقف، أو عقد عقداً جائزاً غيرها؛ كالشركة والمضاربة ، فإنها لا تنفسخ بموته ؛ لأنه متصرف على غيره، قطع به في القاعدة الحادية والستين.

وتبطل بالجنون على الصحيح من المذهب ، وعليه أكثر الأصحاب .

قال في المغنى والشرح: تبطل بالجنون المطبق بغير خلاف علمناه، وجزم به في الهداية، والمذهب، والمستوعب، والخلاصة، والنظم، وغيرهم، وقدمه في الفروع وغيره .

 وقيل: لا تبطل به. وأطلقهما في التلخيص، والمحرر، والرعايتين، والحاويين، والفائق».

وقد نص في شرح منتهى الإرادات (2/191) على أن الجنون المعتبر في بطلان الوكالة ما كان مطبقاً، فقال: «وتبطل هذه العقود بموت أو جنون مطبق؛ لأنها تعتمد الحياة والعقل، فإذا انتفى ذلك انتفت صحتها لانتفاء ما تعتمد عليه وهو أهلية التصرف، لكن لو وكل ولي يتيم أو ناظر وقف أو عقد عقداً جائزاً غيرها ثم مات، لم تبطل بموته؛ لأنه متصرف على غيره ، كما في الإقناع وغيره ، وتبطل وكالة بحجر لسفه على وكيل أو مُوكِّل حيث اعتبر رشده؛ كالتصرف المالي، فإن وكَّل في نحو طلاق ورجعة لم تبطل بسفه، وكذا لو وكَّل في نحو احتطاب أو استسقاء ماء ونحوه...

وتبطل وكالة لفلس موكل فيما حجر عليه فيه ؛ كأعيان ماله ؛ لانقطاع تصرف فيها، بخلاف ما لو وكل في شراء شيء في ذمته أو في ضمان أو اقتراض ».
 

* أثر الخرف على الوكالة :

لم أقف في أثناء البحث في المسألة السابقة على كلام للفقهاء في حكم الوكالة إذا أصاب الموكل خرف ، هل تبطل أو لا تبطل ؟

إلا أنه من خلال النظر في كلامهم حول الخرف، يظهر أنهم يلحقون الخرف بالجنون من حيث الحكم والأثر واعتبار الخَرِف فاقداً للأهلية، وسوف أذكر هنا بعض النقول عن أهل العلم ما يدل لهذا ، بدءاً بالدلالة اللغوية والاصطلاحية ، ثم ما يدل صراحة على إلحاقهم الخرف بالجنون . والله أسأل أن يوفقنا لما فيه الحق والصواب ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .
 

أولاً : تعريف الخرف في اللغة :

قال الجوهري في الصحاح (5/35) : «والخَرَفُ بالتحريك : فساد العقل من الكبر ، وقد خَرِفَ الرجل بالكسر ، فهو خَرِفٌ».

وفي القاموس المحيط (1/1038) : «وخَرَفَ : كنصر وفرِح وكرُم ، فهو خَرِفٌ ككتف : فسد عَقْلُه» .

وفي المصباح المنير (ص89) : «وخَرِف الرجل خرَفاً من باب تعب : فسد عقله لكبره ، فهو خَرِفٌ» .

وفي جمهرة اللغة (1/308) : «الخَرَف : فساد العقل من الكبر ، خَرِف الرجلُ يخرَف خَرَفاً فهو خَرِفٌ ، وامرأة خَرِفة» .

وفي لسان العرب (9/62) : «الخَرَف بالتحريك : فساد العقل من الكبر ، وقد خَرِفَ الرجلُ يَخْرِِف خَرَفاً فهو خَرِفٌ فسد عقلُه من الكبر ، والأنثى خَرِفةٌ ، وأخْرَفَه الهَرَم» .

ثانياً : تعريف الخرف اصطلاحاً .

لا يخرج التعريف الاصطلاحي عن التعريف اللغوي ، فالخرف هو ذهاب العقل وفساده بسبب كبر السن والتقدم في العمر. [انظر : معجم لغة الفقهاء ص194] .

 

ثالثاً : أهلية من أصابه الخرف في الفقه الإسلامي .

نص كثير من الفقهاء على أن الشيخ الكبير إذا أصابه الخرف ، فإنه يعد فاقداً للأهلية، فتسقط في حقه التكاليف الشرعية من صلاة وصيام وحج ، وذلك إلحاقاً له بالمجنون؛ بجامع فقد كليهما للعقل الذي هو مناط التكليف ، وقد ورد في مصنفات أهل العلم ما يدل لذلك .

جاء في البحر الرائق (5/84) في مسألة قتل الشيخ الفاني إذا كان حربياً أو مرتداً : «إذا كان كامل العقل نقتله ، ومثله نقتله إذا ارتد ، والذي لا نقتله الشيخ الفاني الذي خرف وزال عقله وخرج عن حدود العقلاء والمميزين ، فحينئذ يكون بمنزلة المجنون ، فلا نقلته ولا إذا ارتد» . فقوله : «فحينئذ يكون بمنزلة المجنون» صريح في إلحاق الخرف بالمجنون؛ لفقده العقل الذي هو مناط التكليف .

وفي حاشية رد المحتار (4/307) : « فصار الحاصل : أن الشيخ الفاني إن كان خرفاً زائل العقل لا يقتل ، وإن كان له صياح ونسل ؛ لأنه في حكم المجنون ، وإن كان عاقلاً لا يقتل أيضاً إن لم يقدر على القتال ونحوه ...» .

وفي فتاوى ابن عليش فيمن قال لزوجته في شدة مرضه اسقيني ، ولما أتته بالماء قال : تغيبي علي تكوني طالقاً ... قال : «... لم يلزمه الطلاق الذي أوقعه في مرضه من غير شعور به لعدم تكليفه إذ ذاك ، وهو شرط في لزومه ، وقد صرح في المختصر بذلك فقال : أو هذى لمرض . وعبارة المجموع : كأن خَرَّف لمرض ...».

وجاء في "إبراز الحكم من حديث رفع القلم" للسبكي قوله : «وأما سقوط التكليف عن الخرف الذي زال عقله ، فلا شك فيه ، وإن كان الحديث الوارد فيه منقطعاً ؛ لأن القاسم لم يدرك علياً، لكنه في معنى المجنون ، كما أن المغمى عليه في معنى النائم ...» .
 

ثم قال بعدها : «ولما لم يكن النائم في معنى المجنون ؛ لأن الجنون يفسد العقل بالكلية ، والنوم شاغل له فقط ، فبينهما تباين كثير - لم يجعل في معناه ، وعدا شيئين وأحكامهما مختلفة ، بخلاف الخرف والجنون أحكامهما واحدة وليس بينهما تفاوت ، ويظهر أن الخرف رتبة متوسطة بين الإغماء والجنون ، وهي إلى الإغماء أقرب . والله تعالى أعلم» .

ولم أقف في كتب الحنابلة على من ذكر هذا اللفظ ، إلا أن صاحب المطلع لما عرَّف الشيخ الفاني قال (ص150) : «فإذا ذهب عقله من الكبر فهو خَرِف» .

والمعاصرون منهم تكلموا عن حكم الخرف ؛ ففي شرح أخصر المختصرات للشيخ ابن جبرين : « واختلف العلماء فيما إذا كان قد ذهب عنه التمييز ، يعني خرف فأصبح لا يعقل ولا يفهم ولا يميز ، يقولون له : أمسك وصم ، فيقول : أمسكت، ثم بعد ذلك يشرب أو يأكل ، فصار أقل حالة من الطفل ، ففي هذه الحال من العلماء من يقول : يسقط عنه التكليف كالمجنون ؛ لأنه فاقد العقل ، والأكثرون على أنه يطعم عنه ؛ لأنه لم يزل تحت ولايتهم ؛ ولأنه قد تجاوز سن التكليف» .
 

وجاء في شرح العيني لأبي داود : «قوله (وسوء العمر) : أراد به الخرف، والخرف - بفتح الراء - فساد العقل من الكبر ، وقد خرِف الرجل - بالكسر - فهو خرِف ، وإنما استعاذ منه لأنه حالة يختل فيها أشرف الأشياء الذي هو العقل ، ويعجز به عن أداء العبادات» .

وفي مرعاة المفاتيح شرح مرقاة المفاتيح : « قوله (والهرم) بفتحتين ، والمراد به إلى أرذل العمر ؛ كما جاء في رواية ، وهو صيرورة الرجل خرفا من كبر السن ، وسبب الاستعاذة من ذلك ما فيه من الخرف واختلال العقل والحواس والضبط والفهم وتشويه بعض المنظر والعجز عن كثير من الطاعات والتساهل في بعضها. قال الشوكاني : الهرم هو البلوغ في العمر إلى سن تضعف فيه الحواس والقوى ويضطرب فيه الفهم والعقل وهو أرذل العمر » .

وخلاصة القول : أن من أصابه الخرف حتى صار غير مميز ولا يعقل ما يقول ويفعل ، أخذ حكم المجنون ، حيث إنه يعدُّ فاقدَ الأهلية ؛ فتسقط عنه التكاليف ، ولا يصح منه التعاقد .


هذا ما تيسر جمعه من أقوال أئمة المذاهب الأربعة في مسألة بطلان الوكالة وعزل الوكيل إذا فقد الموكل أهلية التصرف بجنون أو خرف أو سفه. والله تعالى أعلم ، وهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل .

 

وحدة البحث العلمي

بإدارة الإفتاء

 

 
عدد القراء : 11512