حكم القرعة بين الزوجات عند إرادة السفر.
 
 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيِّد النبيين  وإمام المرسلين  محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين  وبعد ...


فقد اختلفت أقوال فقهائنا رحمهم الله تعالى في هذه المسألة ، وذلك على النحو التالي:

أولاً : مذهب الحنفية :
 

1- الهداية شرح البداية ( 1/222  ) :

ولا حق لهن في القَسْمِ حالة السفر فيسافر الزوج بمن شاء منهن والأولى أن يقرع بينهن فيسافر بمن خرجت قرعتها . وقال الشافعي رحمه الله : القرعة مستحقة ؛ لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه .إلا أنَّا نقول إنَّ القرعة لتطييب قلوبهن فيكون من باب الاستحباب وهذا لأنه لا حق للمرأة عند مسافرة الزوج ،ألا ترى أن له أن لا يستصحب واحدة منهن فكذا له أن يسافر بواحدة منهن ولا يحتسب عليه بتلك المدة .وإن رضيت إحدى الزوجات بترك قسمها لصاحبتها جاز ؛ لأن سودة بنت زمعة رضي الله عنها سألت رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يراجعها وتجعل يوم نوبتها لعائشة رضي الله عنها . ولها أن ترجع في ذلك ؛ لأنها أسقطت حقاً لم يجب بعد فلا يسقط والله أعلم .

2- المبسوط ( 4/103 ) :

وإن سافر الرجل مع إحدى امرأتيه لحجٍ أو غيره فلمَّا قَدِمَ طالبته الثانية أن يقيم عندها مثل المدة التي كان فيها مع الأخرى في السفر لم يكن لها ذلك و ولم يحتسب عليها بأيام سفره مع التي كانت معه ولكنه يستقبل العدل بينهن .والكلام هنا في فصلين : أحدهما: أن له أن يسافر بأيتهما شاء من غير إقراع بينهما عندنا ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى ليس له ذلك إلا أن يقرع بينهما ؛لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه قالت عائشة رضي الله عنها: وأصابتني القرعة في السفرة التي أصابني فيها ما أصابني . وحجتنا في ذلك أنه لا حقَّ للمرأة في القَسْمِ عند سفر الزوج ألا ترى أن له أن يسافر ولا يستصحب واحدة منهن فليس عليه التسوية بينهن في حالة السفر وإنما كان يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ تطييباً لقلوبهن ونفياً لتهمة الميل عن نفسه وبه نقول أن ذلك مستحب للزوج  ، ثم إذا سافر ببعضهن ليس للباقين بعد الرجوع الاحتساب عليه بتلك المدة عندنا . وقال الشافعي رحمه الله تعالى : إن سافر ببعضهن بغير اقتراع فذلك محسوب عليه في حق الأخرى بناءً على أصله: أن الإقراع مستحق عليه فإذا لم يفعل ذلك كانت مدة سفره نوبة التي كانت معه فينبغي أن يكون عند الأخرى مثل ذلك ليتحقق العدل . ولكنا نقول وجوب التسوية في وقت استحقاق القسم عليه ، وقد بيَّنا أنه لا حق للمرأة في القسم في حال سفر الزوج فلا يلزمه مراعاة التسوية باعتبار تلك المدة كما إذا سافر بها بالقرعة ألا ترى أنه في حالة الحضر لا فرق بين أن تكون البداية بإقراع أو بغير إقراع فكذلك في السفر .

ثانياً : مذهب المالكية :

1- تهذيب المدونة ( 1/338 ) :

وإن سافر لحاجة أو حج أو غزو، سافر بأيتهن شاء بغير قرعة إذا كان على غير ضرر ولا ميل، وإن كانت القرعة ففي الغزو، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله فيه . وإذا قدم ابتدأ القَسْمَ، ولا يقاض التي كانت معه.

2- حاشية الصاوي (1/438 ،439 ) :

(وَإِنْ سَافَرَ) زَوْجُ ضَرَائِرَ؛ أَيْ أَرَادَ سَفَرًا (اخْتَارَ) مِنْهُنَّ لِلسَّفَرِ مَعَهُ مَنْ شَاءَ، (إلَّا) إذَا أَرَادَ السَّفَرَ (فِي قُرْبَةٍ) أَيْ: لِعِبَادَةٍ كَحَجٍّ وَغَزْوٍ (فَيُقْرِعُ) بَيْنَهُمَا أَوْ بَيْنَهُنَّ ، فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهَا أَخَذَهَا مَعَهُ؛ لِأَنَّ الرَّغَبَاتِ تَعْظُمُ فِي الْعِبَادَاتِ .

الشَّرْحُ : قَوْلُهُ : [إلَّا إذَا أَرَادَ السَّفَرَ فِي قُرْبَةٍ] : أَيْ وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ ، وَهِيَ الِاخْتِيَارُ مُطْلَقًا ، الْقُرْعَةُ مُطْلَقًا ، الْقُرْعَةُ فِي الْحَجِّ وَالْغَزْوِ فَقَطْ ، الْقُرْعَةُ فِي الْغَزْوِ فَقَطْ .

3- مواهب الجليل (5/261 ) :

 (وَإِنْ مُسَافِرًا اخْتَارَ) : قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي فَضْلِ عَائِشَةَ : وَلَيْسَتْ الْقُرْعَةُ فِي هَذَا وَاجِبَةً عِنْدَ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ النِّسَاءِ مِنْ الْغَنَاءِ فِي السَّفَرِ وَالْمَنْفَعَةِ وَالصَّلَاحِيَّةِ مَا لَا يَكُونُ لِغَيْرِهَا فَتَتَعَيَّنُ الصَّالِحَةُ لِذَلِكَ وَلِأَنَّ مَنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَيْهَا لَا تُجْبَرُ عَلَى السَّفَرِ مَعَ الزَّوْجِ إلَى الْغَزْوِ وَالتِّجَارَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ا هـ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ الْقُرْعَةِ فِي الْغَزْوِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ بِأَنَّ الْقِصَّةَ فِي الْغَزْوِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ أَنَّ مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ لَا تُجْبَرُ عَلَى السَّفَرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

ثالثاً : مذهب الشافعية :

1- الأم ( 5/119 ) :

قَسْمُ النساء إذا حضر السفر : (قال الشافعي) رحمه الله تعالى: أخبرنا عمى محمد بن على بن شافع عن ابن شهاب عن عبيد الله عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت : ) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها ) وبهذا أقول إذا حضر سفر المرء وله نسوة فأراد إخراج واحدة للتخفيف من مؤنة الجميع والاستغناء بها فحقهن في الخروج معه سواء فيقرع بينهن فأيتهن خرج سهمها للخروج خرج بها فإذا حضر قَسَمَ بينها وبينهن ولم يحسب عليها الأيام التي غاب بها.

2- أسنى المطالب في شرح روض الطالب ( 3/237 ) :

الطَّرَفُ الْخَامِسُ في السَّفَرِ بِبَعْضِهِنَّ : لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ ذلك وَإِنْ كان لَا يَقْسِمُ لَهُنَّ , إلَّا بِالْقُرْعَةِ عِنْدَ تَنَازُعِهِنَّ ؛ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ . وإذا سَافَرَ بها فَلَا قَضَاءَ عليه إذْ لم يُنْقَلْ عنه صلى اللَّهُ عليه وسلم قَضَاءٌ بَعْدَ عَوْدِهِ فَصَارَ سُقُوطُ الْقَضَاءِ من رُخَصِ السَّفَرِ ، وَلِأَنَّ الْمُسَافِرَ معه وَإِنْ فَازَتْ بِصُحْبَتِهِ فَقَدْ تَعِبَتْ بِالسَّفَرِ وَمَشَاقِّهِ هذا في سَفَرٍ مُبَاحٍ وَلَوْ كان قَصِيرًا .أَمَّا غَيْرُ الْمُبَاحِ فَلَيْسَ له أَنْ يُسَافِرَ بها فيه بِقُرْعَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا فَإِنْ سَافَرَ بها حَرُمَ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ لِلْبَاقِيَاتِ .

 رابعاً : مذهب الحنابلة :

1- المغني ( 8/156 ) :

مسألة : قال : وإذا أراد سفرا فلا يخرج معه منهن إلا بقرعة فإذا قدم ابتدأ القسم بينهن.  وجملته أن الزوج إذا أراد سفرا فأحبَّ حمل نسائه معه كلهن أو تركهن كلهن لم يحتج إلى قرعه؛  لأن القرعة لتعيين المخصوص منهن بالسفر وهاهنا قد سوَّى . وإذا أراد السفر ببعضهن لم يجز له أن يسافر بها إلا بقرعة وهذا قول أكثر أهل العلم .وحكي من مالك أنه له ذلك من غير قرعة وليس بصحيح فإن عائشة روت أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه وأيتهن خرج سهمها خرج بها معه . متفق عليه , ولأن في المُسَافَرَةِ ببعضهن من غير قرعة تفضيلاً لها وميلاً إليها فلم يجز بغير قرعة كالبداية بها في القسم.

2- شرح الزركشي (2/447 ) :

إذا أراد سفراً وأخذ بعض نسائه دون بعض ، فإنه لا يجوز له أخذ إحداهن إلا بقرعة ؛ لتساويهن في الحق ، وحذراً من الميل.وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد  سفراً أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه .ويستثنى من ذلك إذا رضيت الزوجات بسفر واحدة معه ، فإنه يجوز بلا قرعة ، إذ الحق لهن ، نعم إذا لم يرض الزوج بها ، وأراد غيرها صِيِر إلى القرعة  والله أعلم .
قال : فإذا قدم ابتدأ القسم بينهن .

 ش : أي إذا قدم من السفر ابتدأ القسم بين النسوة ، ولم يقض للمقيمات ؛ لأن عائشة رضي الله عنها لم تذكر قضاء في حديثها ؛ ولأن ما يحصل للمسافر بها من السكن ، يقابله ما يحصل لها من المشقة والتعب ، والحديث مسكوت فيه عن القضاء .

3- كشاف القناع ( 5/199 ) :

وليس للزوج السفر بها  أي بإحداهن أو بأكثر من واحدة  منهن  إلا بقرعة أو رضاهن ورضاه ؛ لما تقدم  , ولأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فمن خرج سهمها خرج بها معه  . متفق عليه . فإن رضين ورضي بالبداءة بواحدة أو السفر بها جاز ؛ لأن الحق لا يعدوهم . وإن رضين بالبداء بإحداهن أو السفر بها ولم يرض الزوج بها  وأراد خروج غيرها  للبداءة أو السفر أقرع  لما تقدم .    

ثم قال ( 5/201 ) :

ويقسم  الزوج  لمن سافر بها  من زوجاته بقرعة إذا قدم  من سفره  ولا يحتسب عليها بمدة السفر ؛ لحديث عائشة السابق ولم تذكر قضاءً  , ولأن المُسَافِرَة اختصت بمشقة السفر .

 وإن كان السفر بها بغير قرعة لزمه القضاء مدة غيبته ؛ لأنه خصَّ بعضهن بمدة على وجه تلحقه التهمة فيه فلزمه القضاء كما لو كان حاضراً ما لم تكن الضُّرة رضيت بسفرها .

وبعد هذا العرض لمذاهب الفقهاء في حكم القرعة بين الزوجات عند إرادة السفر ، نخلص إلى ما يلي :

1- عند الحنفية : القرعة مستحبة وليست بواجبة .

2- عند المالكية :  أربعة أقوال :

الأول : أن القرعة ليست واجبة ؛ فله أن يسافر بمن شاء منهن دون قرعة إذا كان ذلك  بغير ضرر ولا مَيْل؛ سواءً كان السفر لحج وغزو أم كان لغير ذلك .

الثاني : تجب القرعة في سفر الطاعة فقط كالحج والغزو ، وهذا اختيار ابن القاسم .

الثالث : تجب القرعة في السفر للغزو فقط .

الرابع: تجب القرعة في السفر مطلقاً سواءً كان السفر لحجٍ وغزوٍ أم كان لغير ذلك .

3- عند الشافعية والحنابلة : القرعة واجبة فيحرم عليه السفر بإحداهن دون قرعة .

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
 
 
وحدة البحث العلمي

 

 
عدد القراء : 11657