أقوال المفسرين في قوله تعالى(وذا النون إذ ذهب مغاضبا) الآية
 
 

أقوال المفسّرين في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَـيْهِ فَنَادَى


فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّآ إِلَهَ إِلَّآ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ[الأنبياء: 87].

     

 اختلفتْ أقوالُ العلماءِ في تفسيرِ قولِه U: (فظنّ أن لّن نّقدر عليه) على أوجهٍ:


الأوّلُ: أنّ معناه: فظنّ أن لن نعاقبه بالتّضييق عليه في بطن الحوتِ. وإليه ذهب جمهورُ المفسّرين،


ورجّحه الإمامُ ابنُ جريرٍ الطبريُّ وغيرُه.


الثّاني: أنّ معناه: فظنّ أن لّن نّقضي عليهِ العقوبةَ. رُوي عن ابن عبّاس، ومجاهد، وقتادة، وعطيّة


العوفيّ، واختارهُ الفرّاءُ وغيرُه، ونصره العلّامةُ الشّوكانيُّ.


الثّالثُ: أنّ ذلك على الاستفهام؛ ومعناه: أفظنّ أن لّن نّقدر عليه؟. وبه قال ابنُ زيدٍ، وضعّفه الإمامُ


ابنُ جريرٍ.


الرّابعُ: ظنّ أنّه يُعجز ربَّه؛ فلا يقدِرُ عليه. رُوي عن الحسنِ وسعيدِ بن جبيرٍ، وغيرِهما، وهو قولٌ

 فاسدٌ مردودٌ.

* تفصيـلُ أقـوالِ المفسّـرين:


- قال الإمامُ ابنُ جرير الطبريُّ -رحمه الله- في (جامع البيان) (18/514-516):


« وقوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لّنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله:


 فقال بعضهم: معناه: فظنّ أن لن نعاقبه بالتضييق عليه؛ من قولهم: قدرت على فلان: إذا ضيقت


عليه ، كما قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ ﴾ [الطلاق:7] ». 



ثمّ روى بأسانيده من قال بهذا التّفسير من السّلف؛ فروى عن ابن عبّاس أنّه قال: «ظنّ أن لن يأخذه


العذاب الذي أصابه ». وعنه أيضاً قال: «ظنّ أن لّن نّقضي عليه عقوبةً، ولا بلاءً فيما صنع


بقومه في غضبه إذ غضب عليهم وفراره»، وعن الضّحاك نحوه، وعن مجاهدٍ أنّه قال: « فظنّ أن


لن نعاقبه بذنبه»، ونحوه عن قتادة، وعن قتادة والكلبيّ قالا: « ظنّ أن لن نقضي عليه العقوبة ».


ثمّ ذكر القول الثّاني؛ فقال: « وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظنّ أنّه يُعجزُ ربَّه؛ فلا يقدرُ عليه ».


وذكر من قال بهذا القول؛ فروى بإسنادِه عن سعيد بن أبي الحسن ، قال: « بلغني أنّ يونس لمّا

أصاب الذنب، انطلق مغاضبا لربّه، واستزلَّه الشيطانُ؛ حتّى ظنّ أن لّن نّقدر عليه، قال: وكان له

سلف وعبادة وتسبيح؛ فأبى الله أن يدعه للشيطان...
»، وعن الحسن قال: «﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ

عَلَيْهِ
﴾ وكان له سلف من عبادة وتسبيح؛ فتداركه الله بها فلم يدعه للشّيطانِ»، وعن إياس بن معاوية

المدني أنّه كان إذا ذكر عنده يونس ، وقوله: ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ يقول إياس:

 « فلِم فرّ؟».


ثمّ ذكر القول الثّالث؛ فقال: « وقال آخرون: بل ذلك بمعنى الاستفهام؛ وإنما تأويله: أفظنّ أن لن


نقدر عليه؟ ».


وذكر من قال ذلك؛ فروى بإسناده عن ابن زيد أنّه قال في قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قال: «


هذا استفهام».


ثمّ ذكر ابنُ جريرٍ القولَ المختارَ؛ فقال: « وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصّواب قول


من قال: عَنَى به: فظنّ يونس أن لّن نّحبسه ونضيّق عليه؛ عقوبة له على مغاضبته ربه(1).


وإنّما قلنا ذلك أولى بتأويل الكلمة؛ لأنّه لا يجوز أن ينسب إلى الكفر وقد اختاره لنبوته، ووصفُه بأنْ


ظنّ أنّ ربَّه يعجز عمّا أراد به ولا يقدر عليه؛ وصفٌ له بأنّه جهِل قدرةَ اللهِ؛ وذلك وصفٌ له بالكفر، 


وغيرُ جائزٍ لأحدٍ وصفُه بذلك. وأمّا ما قاله ابن زيد؛ فإنّه قول لو كان في الكلام دليلٌ على أنّه


استفهامٌ حسنٌ، ولكنّه لا دلالةَ فيه على أنّ ذلك كذلك، والعربُ لا تحذف من الكلام شيئاً لهم إليه 


حاجةٌ إلّا وقد أبقت دليلاً على أنّه مرادٌ في الكلام، فإذا لم يكن في قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ


دلالةٌ على أنّ المراد به الاستفهامُ كما قال ابن زيد؛ كان معلوماً أنّه ليس به، وإذا فسد هذان


الوجهان صحّ الثالثُ، وهو ما قلنا».


 - وقال الإمام البغويُّ في (معالم التّنزيل) (5/351):

« قوله U: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: لن نقضي بالعقوبة؛ قاله مجاهدٌ وقتادةُ والضحّاكُ


والكلبيُّ، وهو رواية العوفي عن ابن عباس؛ يقال: قدَّر اللهُ الشيءَ تقديراً، وقدَر يقْدُر قدْراً بمعنى 


واحد، ومنه قوله: ﴿نَحْنُ قَدَرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ [الواقعة: 60] في قراءة من قرأها بالتخفيف. دليلُ هذا


التّأويل: قراءةُ عمرَ بنِ عبدِ العزيز والزهريِّ: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نُّقدِّرَ عَلَيْهِ﴾ بالتشديد.


وقال عطاء وكثير من العلماء: معناه فظن أن لن نضيّق عليه الحبسَ؛ من قوله تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ


الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد : 26] ، أي يضيّق. 


وقال ابن زيد: هو استفهام؛ معناه: أفظنّ أنّه يُعجز ربّه، فلا يقدر عليه؟ وقرأ يعقوب (يُقْدَر) بضمِّ

الياءِ على المجهول خفيف.

وعن الحسن قال: بلغني أنّ يونس لمّا أصاب الذّنب انطلق مغاضباً لربِّه واستزلّه الشيطانُ حتّى ظنّ


أن لّن نّقدر عليه، وكان له سلف وعبادة فأبى الله أن يدعه للشيطان؛ فقذفه في بطن الحوتِ؛ فمكث


فيه أربعين من بين يوم وليلة ... ».


ثمّ قال: «والتّأويلاتُ المتقدّمةُ أولى بحال الأنبياء أنه ذهب مغاضبا لقومِه أو للملِك ».


- وقال الحافظُ ابنُ كثير -رحمه الله- في (تفسيره) (5 / 366-367):


« ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: نضيّق عليه في بطن الحوت. يُروَى نحو هذا عن    ابن عباس،


ومجاهد، والضحاك، وغيرهم، واختاره ابنُ جرير، واستشهد عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ


فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق:7] .


وقال عطيةٌ العَوفيُّ: ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: نقضي عليه؛ كأنّه جعل ذلك بمعنى التّقدير؛

 فإنّ العرب تقول: قَدَر وقُدِر بمعنى واحد، وقال الشاعر:

(فَلا عَائدٌ ذَاكَ الزّمَانُ الذي مَضَى ... تباركت ما تَقْدِرْ يَكُنْ فَلَكَ الأمْرُ)


ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: 12]، أي: قُدِّر ».


- وقال العلاّمةُ الشّوكانيُّ في (فتح القدير) (3/601-603):


« ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قرأ الجمهور: (نَقْدِرَ) بفتح النون، وكسر الدّال.


 واختلف في معنى الآية على هذه القراءة؛ فقيل معناها: أنّه وقع في ظنّه أنّ الله تعالى لا يقدر على


معاقبته. وقد حُكي هذا القولُ عن الحسنِ وسعيدِ بن جبير(2)، وهو قولٌ مردودٌ فإنّ هذا الظنَّ بالله


كفرٌ، ومثل ذلك لا يقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.


 وذهب جمهورُ العلماءِ أنّ معناها: فظنّ أن لّن نّضيّق عليه؛ كقوله : ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ

وَيَقْدِرُ
[الرعد:26]؛ أي: يضيق، ومنه قوله : ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق:7]. يقال: قَدَر

وقُدِر، وقَتَر وقُتِر؛ أي: ضيّق.

 وقيل: هو من القدَر الذي هو القضاءُ والحكمُ؛ أي: فظنّ أن لّن نّقضي عليه العقوبةَ. قاله قتادة


ومجاهد، واختاره الفرّاءُ والزجّاجُ. مأخوذٌ من القدَرِ، وهو الحكْمُ دون القُدرة والاستطاعة. قال أحمد بن


يحيى ثعلب: هو من التّقدير ليس من القُدرة؛ يُقال منه: قدّر اللهُ لك الخيرَ يقدّره قدَراً، وأنشد ثعلب:


 ( فَليسَتْ عشيّاتُ اللّوى برواجعٍ ... لـنا أبداً مـا أبـرَمَ السـَّلـَمُ الـنَّضْرُ)


 (ولا عائدٌ ذاك الزمانُ الذي مضى ... تباركْتَ ما تقْدِر مع ذلك الشُّكْرُ(3)


 أي ما تقدِّرُه وتقضِي به. 


وممّا يؤيّد ما قاله هؤلاء: قراءةُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ والزهريِّ: (فظنّ أن [لّن] نُّقَدِّر(4) بضمِّ النّون


وتشديد الدّال من التّقديرِ، وحكى هذه القراءةَ الماورديُّ عن ابن عبّاس. ويؤيّدُ ذلك أيضا: قراءةُ عبيدِ


بن عميرٍ وقتادةَ والأعرجِ: (أن لّن يُّقَدَّر) بضمِّ الياءِ والتّشديدِ مبنيًّا للمفعولِ.


وقرأ يعقوبُ وعبدُ الله بنُ أبي إسحاقَ والحسنُ: (يُقْدَر) بضمِّ الياءِ وفتح الدال مخففا مبنيا للمفعول».

 

 وقال بعدها مبيّناً اختيارَه في تفسيرِ الآيةِ: « ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ يقول : أن لّن نّقضي عليه


عقوبةً ولا بلاءً فيما صنع بقومه في غضبه عليهم وفراره. قال: وعقوبتُه أخذُ النُّونِ إيّاه. وأخرج ابنُ


جريرٍ وابنُ المنذرِ وابنُ أبي حاتمٍ والبيهقيُّ عن ابنِ عبّاسٍ في قولِه : ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قال


: ظنّ أن لّن يّأخذَه العذابُ الّذي أصابَهُ».


 والله أعلم، وصلّى الله على نبيّنا محمّد، وعلى آله، وصحبه، وسلّم
 
وحدة البحث العلميّ
 
 ___________________
([1]) يظهر من هذا الكلام أنّ الإمام ابن جرير يرى أنّ القولين الأول والثاني المصدّرين في أوّل البحث قولاً واحداً، ويدلُّ على هذا الآثار الّتي أوردها تحت الرّأي الأوّل، ولكنّ غيره من المفسّرين فصل بينهما؛ كما سيأتي، والله أعلم.

([2]) قلتُ: ذكر القرطبيُّ في (الجامع لأحكام القرآن) (11/331) أنّ الثعلبيَّ حكى عن سعيد بن جبير والحسن  قولاً آخر لهما كقولِ جمهورِ المفسّرين، وقال: «وهذا الأشبه بقول سعيد والحسن». ولم أجد ما ذكره في تفسير الثّعلبيّ المطبوع، والله أعلم.

([3]) كذا في المطبوع، ولعلّ الصواب: (ما تقدر يقع ولك الشكر)؛ كما في (الجامع لأحكام القرآن) (11/332) للقرطبيّ، وتكون رواية ثانية للبيتِ، والأولى ما جاء في تفسير ابن كثير، والله أعلم.

([4]) في المطبوع: (فظنّ أن نّقدر)، وفيه سقط.



 
عدد القراء : 41910