صفة الرضاع المحرم
 
أقوال العلماء في صفة الرضاع المحرم
 
1- مذهبُ الحنفيّةِ:

قال ابنُ عابدين في تعريفِ الرَّضاعِ: « وشرعاً: مصٌّ من ثديِ آدميّةٍ؛ ولو بكراً أو ميّتةً أو آيسةً، وأُلحِق بالمصِّ: الوَجورُ، والسَّعوطُ »(1).

وقال السّرخسيُّ: « والسَّعوطُ والوَجورُ يُثبِتُ الحُرمةَ؛ لأنّه ممّا يتغذّى بهِ الصَّبِيُّ؛ فإنّ السَّعوطَ يصلُ إلى الدِّماغِ؛ فيتقوّى بهِ، والوَجورَ يصلُ إلى الجوفِ فيحصلُ بهِ إنباتُ اللّحمِ وإنشازُ العظمِ.

 فأمّا الإقطارُ في الأُذنِ فلا يوجبُ الحُرمةَ؛ لأنّ الظاهرَ أنّه لا يصلُ إلى الدِّماغِ؛ لضِيقِ ذلكَ الثُّقبِ، وكذلك الإقطارُ في الإحليلِ؛ فإنَّ أكثرَ ما فيه أنّه يصلُ إلى المثانةِ؛ فلا يتغذّى بهِ الصَّبيُّ عادةً، وكذلك الحقنةُ في ظاهرِ الرِّوايةِ؛ إلا في روايةٍ عن محمّدٍ -رحمه الله تعالى- قال : إذا احتقن صبيٌّ بلبنِ امرأةٍ تثبتُ بهِ الحرمةُ؛ لأنّ ذلك يصلُ إلى الجوفِ؛ ألا ترى أنّه يفسدُ بهِ الصومُ. ولكنّا نقولُ: ليس الموجبُ للحرمةِ عينُ الوصولِ إلى الجوفِ؛ بل حصولُ معنى الغذاءِ ليَثبتَ به شبهةُ البعضيّةِ؛ وذلك إنّما يحصلُ من الأعالي لا من الأسافلِ »(2).

وقـال ابنُ الهُمام: « ثمّ الاحتقانُ باللّبنِ لا يوجبُ الحُرمةَ منْ غيرِ ذكرِ خلافٍ بين أصحابِنا في كثيرٍ من الأصولِ، وهـو قولُ الأئمّةِ الأربعةِ...والـوَجُور والـسَّعوط تثبـتُ بـهِ الحُرمةُ اتّفاقاً »(3).

2- مذهب المالكيّة:

قال خليلٌ في تعريفِ الرّضاعِ: « حصولُ لبنِ امرأةٍ؛ وإن ميّتةً وصغيرةً؛ بوَجورٍ، أو سَعوطٍ، أو حقنةٍ تكونُ غذاءً... »(4).

وقد اختلف الشُّرّاحُ في تفسيرِ قولِهِ (تكون غذاءً)؛ فقال الزّرقانيُّ في (شرحِهِ): «(تكون) الحقنةُ فقط دون ما قبلَها (غذاءً) بالفعلِ؛ أي: كافيةً للرّضيعِ عند وجودِها؛ وإن كان يحتاجُ لغذاءٍ بعد ذلك بالقريبِ »(5).

وقال الخُرشيُّ في (شرحِه): « ومعنى كونِها غِذاءً: أن تصلَ إلى محلِّ الغذاءِ، ولا يُشترطُ الغذاءُ بالفعلِ؛ لأنّ المصّةَ الواحدةَ تحرّمُ، وهي لا تكونُ غذاءً »(6).

وقال الدُّسوقيُّ: « وَاقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ على هذه الثَّلَاثَةِ يَقْتَضِي أَنَّ ما وَصَلَ من اللَّبَنِ لِلْجَوْفِ من الْأُذُنِ، أو الْعَيْنِ، أو مَسَامِّ الرَّأْسِ لَا يُحَرِّمُ؛ وَلَوْ تَحَقَّقَ وُصُولُهُ، وهو كَذَلِكَ »(7).

 

3- مذهبُ الشّافعيّةِ:

قال زكريّا الأنصاريُّ في بيانِ حدِّهِ شرعاً : « اسمٌ لحصولِ لبنِ امرأةٍ، أو ما حصَل منهُ في معدةِ طفلٍ، أو دماغهِ »(8).  

قـال الإمـامُ الشّافعيُّ: « والوَجورُ كالرّضاعِ، وكذلك السَّعوطُ؛ لأنّ الرأسَ جوفٌ»(9).

وقال أيضاً: « ولو حقنَهُ كان في الحُقنةِ قولانِ: أحدُهما: أنّه جوفٌ؛ وذلك أنّها تفطِّرُ الصّائمَ لوِ احتقنَ. والآخرُ: أنّ ما وصل إلى الدِّماغِ كما وصل إلى المعدةِ؛ لأنّه يغتذي من المعدةِ، وليست كذلك الحقنةُ »(10).

وقال أبو إسحاق الشيرازيُّ: « ويثبتُ التّحريمُ بالوَجورِ؛ لأنّه يصِلُ اللّبنُ إلى حيثُ يصلُ بالارتضاعِ، ويحصلُ بهِ من إنباتِ اللّحمِ، وانتشارِ العظمِ ما يحصلُ من الرّضاعِ. ويثبتُ بالسَّعوطِ؛ لأنّه سبيلٌ لفطرِ الصائمِ؛ فكان سبيلاً لتحريمِ الرّضاعِ كالفمِ. وهل يثبتُ بالحُقنةِ؟ فيهِ قولانِ: أحدُهما: يثبتُ؛ لما ذكرناهُ في السّعوطِ. والثّاني: لا يثبتُ؛ لأنّ الرّضاعَ جُعلَ لإنباتِ اللّحمِ، وانتشارِ العظمِ، والحُقنة جعلتْ للإسهالِ »(11).

وقال النّوويُّ: « لو حُقنَ باللّبنِ أو قُطِّرَ في إحليلِه فوصل مثانتَهُ، أو كان على بطنِهِ جراحةٌ فصُبَّ اللَّبنُ فيها حتّى وصَل الجوفَ: لمْ يثبتِ التّحريمُ على الأظهرِ.

ولو صُبَّ في أنفِهِ فوصَل دماغَهُ: ثبتَ التّحريمُ على المذهبِ، وقيل: فيهِ القولانِ»(12).

وقال في (المنهاج): « ويُحرّمُ إيجارٌ، وكذا إسعاطٌ على المذهبِ، لا حقنةٌ في الأظهرِ»(13).

قال الخطيبُ الشّربينيُّّ في (شرحِهِ) : « (في الأظهرِ)؛ لانتفاءِ التّغذِّي؛ لأنّها لإسهالٍ، وما انعقد في المعدةِ. والثّاني: تُحرّمُ؛ كما يحصلُ بها الفِطرُ.

ودُفع بأنّ الفطرَ يتعلّقُ بالوصولِ إلى جوفٍ، وإنْ لمْ يكن معدةً ولا دماغاً؛ بخلافِه هُنا؛ ولهذا لم يُحرّمِ التّقطيرُ في الأذنِ، أو الجراحةِ إذا لمْ يصلْ إلى المعدةِ،  ولا بُـدّ أن يـكونَ مـنْ منفذٍ مفتوحٍ؛ فلا يُحرّمُ وصولُه إلى جوفٍ أو معدةٍ بصبّه في العينِ بواسطةِ المسامِّ »(14).
 

4- مذهب الحنابلة:

قال البهوتيُّ في حدِّ الرَّضاعِ شرعاً: « مصُّ من دونَ الحولينِ لبناً ثابَ عن حملٍ، أو شربُه، ونحوُه »(15).

وقال ابنُ قدامةَ: « ويثبتُ التّحريمُ بالوُجورِ؛ وهو أن يُّصبَّ اللّبنُ في حلقِه؛ لأنّه ينشزُ العظمَ، وينبتُ اللّحمَ؛ فأشبَهَ الارتضاعَ، وبالسُّعوطِ؛ وهو أن يُّصبَّ في أنفِه؛ لأنّه سبيلٌ لفطرِ الصّائمِ؛ فكان سبيلاً للتّحريمِ بالرّضاعِ كالفمِ.

 وعنه: لا يثبتُ التّحريمُ بهما(16)؛ لأنّهما ليسا برضاعٍ... ».

ثمّ قال: « ولا يثبتُ التّحريمُ بالحقنةِ في المنصوصِ عنه؛ لأنّها تُراد للإسهالِ، لا للتّغذِّي؛ فلا تنبِتُ لحماً ولا تنشِزُ عظماً، وقد روى ابن مسعود أنّ النّبيّ r قال: (لا رضاعَ إلا ما أنشزَ العظمَ، وأنبتَ اللّحمَ) رواه أبو داود. وقال ابنُ حامدٍ وابنُ أبي موسى: ينشرُ الحرمةَ؛ لأنّه واصلٌ إلى الجوفِ أشبهَ الواصلَ إلى الأنفِ»(17).

وقال أيضاً جواباً على من اختارَ التّحريمَ بالحُقنةِ: « ولنا: إنّ هذا ليس برضاعٍ، ولا يحصلُ به التّغذِّي فلمْ ينشرِ الحرمةَ؛ كما لو قطّر في إحليلِهِ، ولأنّه ليس برَضاعٍ، ولا في معناهُ؛ فلم يجزْ إثباتُ حكمِه فيهِ، ويفارقُ فطرُ الصّائمِ؛ فإنّه لا يعتبرُ فيهِ إنباتُ اللّحمِ، ولا إنشازُ العظمِ، وهذا لا يُحرِّم فيه إلا ما أنبتَ اللّحمَ وأنشزَ العظمَ، ولأنّه وصلَ اللّبنُ إلى الباطنِ من غيرِ الحلقِ؛ أشبَهَ ما لو وصَلَ من جُرحٍ »(18).

وقال المرداويُّ: « قولُه: (والسُّعوطُ والوُجورُ كالرَّضاعِ) في إحدى الروايتينِ.

وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم الخرقي، والقاضي، وأصحابُه، والمصنِّفُ، وغيرُهم ... والروايةُ الثانيةُ: لا يثبتُ التّحريمُ بهما؛ اختاره أبو بكر »(19).

وقال أيضاً: « قوله: (والحقنة لا تنشر الحرمة) نصّ عليهِ.

وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ؛ لأنّ العلةَ إنشازُ العظمِ وإنباتُ اللّحمِ؛ لحصولِه في الجوفِ...

 وقال ابنُ حامد: تنشرها، وحكاهُ روايةً، واختارُه ابنُ أبي موسى ».

ثمّ قال: « فائدة: لا أثرَ للواصلِ إلى الجوفِ الّذِي لا يغذِّى؛ كالذّكرِ والمثانةِ »(20).

 

والخلاصةُ: أنّ صفةَ الرّضاعِ المحرّمِ تكونُ بمصِّ اللَّبنِ من الثديِ اتّفاقاً، وبالوُجورِ في الفمِ والسُّعوطِ في الأنفِ في مذهبِ الأئمّةِ الأربعةِ؛ خلافاً للظّاهريّةِ وروايةٍ عنِ الإمامِ أحمدَ، وأمّا الاحتقانُ باللّبنِ فلا يوجبُ تحريماً مطلقاً في قولِ الجمهورِ، وبشرطِ عدمِ التّغذيةِ أو الوصولِ إلى الجوفِ عند المالكيّةِ؛ خلافاً لمحمّد بن الحسنِ من الحنفيّةِ، وابنِ حامدٍ وابنِ أبي موسى من الحنابلةِ، والشّافعيِّ في قولٍ، وأمّا ما عدا ذلك من الإقطارِ في الأذنِ أو العينِ ونحوِهما فإنّه لا يحرِّمُ، واللهُ أعلم.
 

وحدةُ البحثِ العلميِّ

إدارةُ الإفتاءِ
 
 
______________________________
([1]) الدر المختار (3 / 229). والوَجورُ: بالفتح؛ ما يصبُّ في الحلقِ، وبالضمّ الفعل نفسه. والسَّعوطُ: بالفتح؛ ما يصبُّ في الأنفِ، وبالضمّ الفعل نفسه.

([2]) المبسوط  (4 / 79).

([3]) شرح فتح القدير (3 / 455-456).

([4]) مختصر خليل (ص/ 140).

([5]) شرح الزرقاني (4/239)، ونحوه في منح الجليل لعلّيش (4/373)؛ حيث قال: « أي: مشبعة للصبي، ومغنية له عن الرضاع وقت حصولها؛ وإن احتاج له بعد بالقرب. ومفهوم تكون غذاء أنها إن لم تكن غذاء فلا تحرم، وهو كذلك»، ويؤيده فتوى ابن القاسم. انظر: المدوّنة الكبرى (5/406).

([6]) شرح مختصر خليل (4/ 177). وانظر: الذخيرة  (4/274).

([7]) حاشية الدُّسوقي على الشرح الكبير (2/503) .

([8]) فتح الوهّاب (2/194). وانظر: مغني المحتاج(3 / 414).

([9]) الأم (5 / 29).

([10]) الأم (5 / 31).

([11]) المهذّب (2 / 156).

([12]) روضة الطالبين (9/6). 

([13]) منهاج الطالبين (ص/117).

([14]) مغني المحتاج (3/416). وانظر: نهاية المحتاج للرّمليُّ (7/175).  

([15]) الرّوض المربع (ص/614).

      ([16]) وهو مذهب الظاهريّة. انظر: المحلّى لابن حزمٍ (10/7)؛ فإنّ صفةَ الرّضاعِ عندهم كما قال: «وأمّا صفةُ الرّضاعِ المحرمِ فإنّما هو ما امتصّه الراضعُ من ثديِ المرضعةِ بفيهِ فقط».

([17]) الكافي (3/343). وانظر: المغني (8/139).

([18]) المغني  (8/140).

([19])الإنصاف (9/336). 

([20]) الإنصاف (9/338-339). وانظر: شرح منتهى الإرادات (3/216).

 

 

 
عدد القراء : 5961