الطلاق في العدة.
 
 

حكمُ الطّلاقِ في العدّةِ

اختلف الفقهاءُ في حكمِ الطّلاقِ إذا وقع في العدّة؛ بأن طلّق الرّجلُ امرأته طلقةً رجعيّةً أو بائنةً صغرى(1)، ثمّ أتبعها بطلقة أخرى وهي في عدّتها؛ فهل يعتدُّ بتلك الطلقة؟

1- مذهب الحنفيّة:

قال الكاساني: « الطلاق في العدة: وجملة الْكَلَامِ فيه أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَخْلُو إما إن كانت مُعْتَدَّةً من طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ أو بَائِنٍ أو خُلْعٍ.

 فَإِنْ كانت مُعْتَدَّةً من طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ يَقَعُ الطَّلَاقُ عليها سَوَاءٌ كان صَرِيحًا أو كِنَايَةً لِقِيَامِ الْمِلْكِ من كل وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ؛ وَلِهَذَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ، وَإِيلَاؤُهُ وَيَثْبتُ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ لَا تَصِحُّ إلَّا في الْمِلْكِ.

 وَإِنْ كانت مُعْتَدَّةً من طَلَاقٍ بَائِنٍ أو خُلْعٍ وَهِيَ الْمُبَانَةُ أو الْمُخْتَلِعَةُ فَيَلْحَقُهَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ... ».

- دليل الحنفيّة على وقوع الطّلاق في عدّة البائن:

ثم قال الكاساني مستدلاً على وقوع الطّلاق في عدّة البائن والمختلعة: «وَلَنَا ما رُوِيَ عن رسول اللَّـه أَنَّهُ قال: (الْمُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُهَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ ما دَامَتْ في الْعِدَّةِ) (2) ، وَهَذَا نَصٌّ في الْبَابِ، وَلِأَنَّهَا بِالْخُلْعِ وَالْإِبَانَةِ لم تَخْرُجْ من أَنْ تَكُونَ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ...»(3).

2- مذهب المالكيّة:

قال خليل في مختصره:

«والرّجعيّة كالزوجة، إلا في تحريم الاستمتاع والدخول عليها والأكل معها»(4).

وقال صالح الآبي في شرحه :

«ومن أحكام الرجعيّة أنّه يصحّ منها الإيلاء، والظِّهار، واللِّعان، والطّلاق»(5).

- وأمّا الطّلاق في عدّة البائن – كالمختلعة- فإنّه لا يقع عندهم إلّا إذا كان الكلام متّصلاً، وكان طلاقُها فوراً من غير تراخٍ ، وقد نصّ على ذلك الإمام مالك رحمه الله؛ فقد جاء عنه في شأن المختلعة هل يرتدف عليها طلاقٌ أم لا؟ قال: «لا يرتدفُ إلا إن كان الكلامُ متصلاً» (6)

وقال علِّيش:

« وَالْبَائِنُ لَا يَرْتَدِفُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ إلَّا إذَا كَانَ نَسَقًا»(7)

3- مذهب الشّافعيّة:

قال الخطيب الشّربينيُّ:

«(ويلحقُ) الطلاقُ (رجعيّةً)؛ لأنّها في حكم الزوجات؛ لبقاء الولاية عليها بملك الرجعة. قال الشافعي t : الرجعيّةُ زوجةٌ في خمس آيات من كتاب الله تعالى. يريد بذلك لحوق الطلاق وصحة الظهار واللعان والإيلاء والميراث، (لا مختلعة) فـلا يلـحـقها طـلاق وإن كانت في العدة؛ لانتفاء الولاية عليها»(8).

 4- مذهب الحنابلة:

قال ابنُ قدامة:

«والرجعيّةُ زوجةٌ يلحقُها طلاقُه وظهارُه وإيلاؤُه ولِعانُه ويرث أحدُهما صاحبَه بالإجماع»(9).

-وأمّا الطّلاق في عدّة البائن – كالمختلعة- فإنّه لا يقع عندهم؛ فقد قال المرداوي:

« قَوْلُهُ وَلَا يَقَعُ بِالْمُعْتَدَّةِ من الْخُلْعِ طَلَاقٌ وَلَوْ وَاجَهَهَا بِهِ. هذا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.

 وقال في التَّرْغِيبِ: لَا يَقَعُ بِالْمُعْتَدَّةِ من الْخُلْعِ طَلَاقٌ وَلَوْ وَاجَهَهَا بِهِ؛ إلَّا إن قُلْنَا: هو طَلْقَةٌ، وَيَكُونُ بِلَا عِوَضٍ وَيَكُونُ بَعْدَ الدُّخُولِ أَيْضًا، وَقَالَهُ في الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى»(10).

-دليل الحنابلة على عدم وقوع الطّلاق في عدّة البائن:

قال ابن قدامة: «ولنا أنّه قولُ ابن عباس وابن الزبير، ولا نعرف لهما مخالفاً في عصرهما، ولأنّها لا تحلُّ إلا بنكاح جديد فلم يلحقها طلاقُه؛ كالمطلقة قبل الدخول أو المنقضية عدتها، ولأنّه لا يملك بُضْعها؛ فلم يلحقها طلاقه كالأجنبية»

(11).

والخلاصة: أنّ عامّة العلماء(12)على وقوع الطّلاق في العدّة من الطّلاق الرّجعي، والجمهور –على تفصيل عند المالكيّة- على عدم وقوعه إذا كان في الطّلاق البائن، خلافاً للحنفيّة الذين يرون وقوعه، والله أعلم.
 

وحدة البحث العلمي

إدارة الإفتاء
 
 
 _______________________
([1]) وأما البائن بينونة كبرى فهي أجنبيّة، ولا يملك الرّجل عليها طلاقاً ولا غيره؛ بلا خلاف.

([2]) أخرجه عبد الرزاق (6/489) عن علي بن أبي طلحة الهاشمي مرسلاً عن النبي ﷺ، وقال بعده: « فذكرناه للثوري فقال:سألنا عنه فلم نجد له أصلاً». وقال ابن  عبد الهادي في تنقيح التحقيق (4/417): «هذا حديث موضوع، لا أصل له»، والله أعلم.

([3]) بدائع الصنائع (3 / 134-135). وانظر: البحر الرائق لابن نجيم (3/330).

([4]) مختصر خليل (1 / 128).

([5]) جواهر الإكليل (1/364).

([6]) انظر: بداية المجتهد (2/56).

([7]) فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك (3/246).

([8]) مغني المحتاج إلى شرح المنهاج (3/293). وانظر: نهاية المحتاج للرّملي(6/451).

 ([9]) المغني (8/478).

([10]) الإنصاف (8 / 395).

([11]) المغني (8/184).

([12]) قلت هذا احترازاً من قول شيخ الإسلام؛ فإنّه قال: «والرجعية لا يلحقها الطلاق وإن كانت في العدة؛ بناء على أن إرسال طلاقه على الرجعية في عدتها قبل أن يراجعها محرم». الفتاوى الكبرى (5 / 489)، والله أعلم.

 
عدد القراء : 20120