جرائم الشرف
 
 

مسائل في جرائم الشّرف

لجرائم الشرف صور متعددة ، وأحوال مختلفة ، ومن صورها : 

 

1- أن يفاجئ الرجل ابنته متلبّسة بالزنى فيقتلها؟ أو يفاجئ من يزني بابنته فيقتله؟ أو يفاجئ ابنة زوجته، أو من يزني بها فيقتلها أو يقتله؟

2- الزّوجة التي تقتل زوجها إذا رأته يزني بابنته ، أو من هي في حجره ، أو الخادمة؟

3- أبٌ اعتدى جنسيًّا على ابنته، وقام ابنه بقتله؛ فما الحكم على الابن؟

     4- من وجد أخته متلبّسة بحالة زنا؛ فقام بقتلها، أو قتل من يزني بها؟ وهل يستوي الحكم فيما لو كانت شقيقة، أو لأب، أو لأم، أو من الرضاعة؟
 

 هذه المسائل تدخل تحت ما يعرف في العصر الحديث بـ(جرائم الشّرف)، وقد بحثها العلماءُ قديماً في كتب الفقه وشروح الحديث تحت جملةٍ من الأبواب؛ منها (باب اللِّعان)، و(باب الحدود والتّعزيرات)، وهذا ما وقفنا علىه من  أقوالهم فيها:

 أوّلاً: قولُ الحنفيّة:

قال ابنُ عابدين في (حاشيته): «إذا وجد رجلاً مع امرأة لا تحلُّ له قبل أن يزني بها؛ فهذا لا يحلُّ قتلُه إذا علم أنّه ينزجر بغير القتل؛ سواء كانت أجنبيةً عن الواجد، أو زوجةً له، أو محرماً منه.

أمّا إذا وجده يزني بها فله قتلُه مطلقاً...ثم رأيت في (جنايات الحاوي) الزَّاهدي ما يؤيّده أيضاً؛ حيث قال: رجلٌ رأى رجلاً مع امرأته يزني بها أو يقبّلها أو يضمُّها إلى نفسه وهي مطاوعة فقتله أو قتلهما لا ضمان عليه... ولو رأى رجلاً مع امرأةٍ في مفازةٍ خاليةٍ، أو رآه مع محارمه هكذا ولم يرمنه الزنا ودواعيه: قال بعض المشايخ: حل قتلُهما. وقال بعضهم: لا يحلُّ حتّى يرى منه العمل؛ أي الزنا ودواعيه، ومثله في (خزانة الفتاوى)»(1).

وقال في (الدر المختار): «وفي المجتبى: الأصلُ أنّ كلّ شخص رأى مسلماً يزني يحلُّ له أن يقتله، وإنّما يمتنع خوفاً من أن لا يصدّق أنّه زنى»(2).

ثمّ  علّق عليه في الحاشية بقوله: «وحاصلُه أنّه يحلُّ ديانةً لا قضاءً؛ فلا يصدّقه القاضي إلا ببيّنة»(3).

وقال العينيُّ: «وبالغ أصحابُنا في هذا حيث قالوا: رجلٌ وجد مع امرأته أو جاريته رجلاً يريد أن يغلبها ويزني بها له أن يقتله؛ فإن رآه مع امرأته أو مع محرم له وهي مطاوعة له على ذلك قتل الرّجل والمرأة جميعاً. ومنهم من منع ذلك مطلقاً»(4).

 

ثانياً: قولُ المالكيّة:

قال الحافظ ابنُ عبد البر - بعدما أورد ما أخرجه مالكٌ في (الموطّأ) عن سعيد بن المسيب: أنّ رجلاً من أهل الشام يقال له ابنُ خَيْبَرِيّ وجد مع امرأته رجلاً فقتله أو قتلهما معاً؛ فأشكل على معاوية بن أبي سفيان القضاء فيه؛ فكتب إلى أبي موسى الأشعري يسأل له علي بن أبي طالب عن ذلك؛ فسأل أبو موسى عن ذلك عليَّ بن أبي طالب؛ فقال له عليّ: إنّ هذا الشيءٌ ما هو بأرضي عزمت عليك لتخبرني؛ فقال له أبو موسى: كتب إلي معاوية بن أبي سفيان أن أسالك عن ذلك فقال علي: أنا أبو حسن إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برُمّته-: «معناه عنده  -يعني: مالكاً-: فليسلّمه برمّته إلى أولياء القتيل يقتلونه. وقيل: يسلّم إليهم بحبل في عنقه للقصاص إن لم يُقم أربعة شهدوا عليه بالزنى الموجب للرّجم.  وعلى قول علي t جماعةُ فقهاءِ الأمصارِ وأهلِ الرأي والآثارِ»(5).

وقال ابنُ بطّال: «وقال ابنُ حبيب : إذا كان المقتولُ محصنًا؛ فالذي ينجي قاتله من القتل أن يقيم أربعة شهداء أنّه فعل بامرأته ، وأمّا إن كان المقتول غير محصن فعلى قاتله القوَد، وإن أتى بأربعة شهداء ، هذا وجه الحديث عندي-يعني: حديث سعد الآتي-.

وذكر ابن مُزَيْن عن ابن القاسم: أنّ ذلك فى البكر والثيّب سواء؛ يُترك قاتلُه إذا قامت له البيّنة بالرؤية . وقال أصبغ عن ابن القاسم وأشهب : أستحب الدية فى البكر في مال القاتل»(6).

وقال الحافظ ابنُ حجرٍ-عند التعليق على حديث المغيرة بن شعبة t قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيتُ رجلاً مع امرأتي لضربتُه بالسيفِ غيرَ مُصْفَح فبلغ ذلك النبيَّ r فقال: أتعجبون من غيرة سعد؛ لأنا أغيرُ منه، واللهُ أغيرُ منّي -: « قوله: (أتعجبون من غيرة سعد) تمسّك بهذا التّقرير من أجاز فعل ما قال سعد، وقال: إن وقع ذلك ذهب دمُ المقتول هدراً. نُقل ذلك عن ابن الموّاز من المالكيّة»(7).


 ثالثاً: قولُ الشّافعيّة:

قال الإمام الشّافعي - بعد أن ذكر قول علي t السابق، وحديث أبي هريرة t: أنّ سعداً قال: يا رسولَ الله أرأيتَ إن وجدتُ مع امرأتي رجلاً أأمهلُه حتّى آتيَ بأربعة شهداء؟ فقال رسولُ الله r:  نعم! -: «وبهذا نقول؛ فإذا وجد الرّجلُ مع امرأته رجلاً فادّعى أنّه ينال منها ما يوجب الحدَّ وهما ثيّبان معاً فقتَلَهما أو أحدَهما لم يصدّق وكان عليه القوَدُ أيَّهما قتل إلا أن يشاء أولياؤُه أخذَ الدّيةِ أو العفو...ويسعه فيما بينه وبين الله عز وجل قتلُ الرّجلِ وامرأتِه إذا كانا ثيّبين وعلم أنّه قد نال منها ما يوجب القتل، ولا يصدّق بقوله فيما يسقط عنه القود، وهكذا لو وجده يتلوّط بابنه أو يزني بجاريته لا يختلف...ولو أنّ رجلاً وجد مع امرأتِه رجلاً ينال منها ما يحدُّ به الزاني فقتلهما والرجلُ ثيّبٌ والمرأةُ غيرُ ثيّبٍ فلا شيءَ في الرّجل وعليه القودُ في المرأة، ولـو كـان الرجلُ غيرَ ثيّبٍ

والمرأةُ ثيّباً كان عليه في الرّجلِ القودُ، ولا شيءَ عليه في المرأة»(8).

قال النّوويُّ: «وقد اختلف العلماء فيمن قتل رجلاً وزعم أنّه وجده قد زنى بامرأته؛ فقال جمهورهم: لا يقبل قوله بل يلزمه القصاص إلا أن تقوم بذلك بيّنةٌ، أو يعترف به ورثةُ القتيل، والبيّنةُ أربعةٌ من عدول الرجال يشهدون على نفس الزنى ويكون القتيلُ محصناً، وأمّا فيما بينه وبين الله تعالى فإنْ كان صادقاً فلا شيء عليه. وقال بعض أصحابنا: يجب على كلّ من قتل زانياً محصناً القصاصُ ما لم يأمر السلطانُ بقتله. والصوابُ الأوّلُ»(9).

رابعاً: قولُ الحنابلة:

قال ابنُ قدامة: « وإذا قتل رجلاً وادعى أنّه وجده مع امرأتِه أو أنّه قتله دفعاً عن نفسه أو أنه دخل منزله يكابره على ماله فلم يقدر على دفعه إلا بقتله: لم يقبل قوله إلا ببيّنة، ولزمه القصاص؛ روي نحو ذلك عن علي t، وبه قال الشافعيُّ و أبو ثور و ابنُ المنذر، ولا أعلم فيه مخالفاً.

 وسواء وُجد في دار القاتل أو في غيرها، أو وُجد معه سلاحٌ أو لم يوجد؛ لما روي عن علي t: أنّه سئل عمّن وجد مع امرأته رجلاً فقتله؛ فقال : إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمّته، ولأنّ الأصل عدم ما يدّعيه فلا يثبت بمجرد الدعوى.
وإن اعترف الوليُّ بذلك فلا قصاص عليه ولا دية؛ لما روي عن عمر t: أنّه كان يوماً يتغدّى إذ جاءه رجلٌ يعدو وفي يده سيف ملطّخٌ بالدم ووراءه قومٌ يعدُون خلفه فجاء حتّى جلس مع عمر فجاء الآخرون فقالوا: يا أمير المؤمنين إنّ هذا قتل صاحبنا، فقال له عمر : ما يقولون؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنّي ضربت فخذي امرأتي؛ فإن كان بينهما أحدٌ فقد قتلته! فقال عمر : ما يقول؟ قالوا: يا أمير المؤمنين إنه ضرب بالسيف فوقع في وسط الرّجل وفخذي المرأة فأخذ عمر سيفه فهزه ثم دفعه إليه وقال : إن عادوا فعد رواه سعيد في سننه ...ولأن الخصم اعترف بما يبيح

قتله فسقط حقُّه كما لو أقرّ بقتله قصاصاً أو في حد يوجب قتله، وإن ثبت ذلك ببيّنة فكذلك»(10).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن رأى رجلاً يفجر بأهله جاز له قتلُهما فيما بينه وبين الله تعالى، وسواء كان الفاجرُ محصناً أو غيرَ محصنٍ، معروفاً بذلك أم لا؛ كما دلّ عليه كلامُ الأصحاب وفتاوى الصحابة، وليس هذا من باب دفع الصائل كما ظنّه بعضهم، بل هو من عقوبة المعتدين المؤذين» (11).

والخلاصةُ: أنّه لا خلاف بين المذاهب الأربعة في أنّ القاتل في الأحوال المسؤول عنها إذا لم يُقِم بيّنة بزنى المقتول من زوجته أو بعض محارمه، ومن يفعل بهنّ الفاحشة، ولم يعترف أولياء المقتول: فإنّ عليه القصاص قضاءً، وإن كان لا شيء عليه إذا صَدَق في قوله فيما بينه وبين الله تعالى (ديانةً) في قول الجمهور(12).

فإن أقام البيّنة: فلا شيء عليه قضاءً إذا كان المقتولُ محصناً، وكذا إذا كان غيرَ محصنٍ في قول الجمهور؛ خلافاً للشّافعيّة وبعض المالكيّة.

وهذا ما تيسّر الوقوف عليه من أقوال الفقهاء في هذا الموضوع، ويجدر التّنبيه إلى أنّ بعض الصور المسؤول عنها؛ كصورة قتل المرأة زوجها إذا وجدته يزني بمن تحرم عليه لم نجد للفقهاء كلاماً فيها. والله أعلم، وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.

 

وحدة البحث العلمي

إدارة الإفتاء
 
 
_________________
 
        (1) حاشية ابن عابدين (4/231).

(2)  الدر المختار (4/64).

(3)  حاشية ابن عابدين (4/64).

(4)  عمدة القاري شرح صحيح البخاري (24/21).

(5) الاستذكار  (22 / 152).

(6) شرح صحيح البخاري (8 / 480).

(7) فتح الباري (9/321).

(8) الأم (6 / 31-32). وانظر: الحاوي الكبير للماوردي (13/457-459).

(9) شرح النووي على مسلم (10 / 121).

(10) المغني  (9 / 337).

(11) الفتاوى الكبرى (5 / 521).

(12) وذلك لأنّي لم أجد للمالكيّة نصًّا في هذا، والله أعلم.

 
 
عدد القراء : 10843