حكمُ إعلامِ الرّجلِ زوجتَه بالرَّجْعةِ
 
 

اختلف العلماء في حكم إعلام الرّجل زوجته بإرجاعه لها بعد أن طلّقها على قولين:

* القول الأوّل: أنّ إعلام الرّجل زوجته بالرّجعة مستحب، وليس شرطاً في إرجاعها.

وإليه ذهب جمهور العلماء من الحنفيّة، والمالكيّة، والشّافعيّة، والحنابلة، وحكى ابن قدامة الإجماع عليه.

1- الحنفيّة:

قال المرغيناني: «ويستحب أن يعلمها كيلا تقع في المعصية»([1]).

وقال الكاساني: « وكذا إعلامُها بالرَّجْعة ليس بشرطٍ حتّى لو لم يُعْلِمْها بِالرَّجْعةِ جازت؛ لأنَّ الرَّجْعةَ حقُّه على الخُلُوص لكونه تَصَرُّفًا في مِلْكه بالِاسْتِيفاء والاسْتِدَامة؛ فلا يُشْترط فيه إعلامُ الغير كالإجازةِ في الخِيار، لكنّه مندوبٌ إليه ومستحبٌّ؛ لأنَّه إذا راجعها ولم يُعلِمْها بالرَّجْعة فمن الجائزِ أنّها تتزوّج عند مُضيِّ ثلاثِ حِيَضٍ ظنًّا منها أنّ عِدَّتَها قد انقضت؛ فكانَ تركُ الإعلامِ فيه تسبُّبًا إلى عقد حرامٍ عسى (كذا)؛ فَاستحبَّ له أنْ يُعْلِمَها»([2]).

2- المالكيّة:

قال الخرشي: «وكما يُنْدَبُ للمُطَلِّقِ الإِشْهادُ على الرَّجْعَةِ؛ كذلك يُنْدَبُ له إعْلَامُها»([3]).

3- الشافعيّة:

قال الماوردي: «الرَّجْعة تصحّ بغير علم الزّوجة؛ لأنّ رضاها غير معتبر؛ بخلاف النِّكاح...وإنْ لم يكن رضاها معتبراً بما ذكرنا؛ فعلمها غير معتبر كالطّلاق؛ لأنّ إعلامَها مقصودٌ به الرِّضا؛ فثبت بذلك أنّ الرَّجْعةْ بعلمها وغير علمها، ومعه (كذا) حضورها وغيبتها جائزة»([4]).

4- الحنابلة:

قال البهوتي: «ولا تفتقر الرّجعة إلى وليٍّ، ولا إلى صداقٍ، ولا رضى المرأةِ، ولا عِلْمِها»([5]).

وقال ابن قدامة: «الرجعة لا تفتقر إلى وليٍّ، ولا صداقٍ، ولا رضى المرأةِ، ولا عِلْمِها بإجماع أهل العلم؛ لما ذكرنا من أنّ الرجعيّةَ في أحكام الزَّوجات، والرَّجْعةَ إمساكٌ لها واستبقاءٌ لنكاحِها؛ ولهذا سمّى الله سبحانه وتعالى الرَّجْعةَ إمساكاً، وتركَها فِراقاً وسَراحاً؛ فقال : ﴿فإذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف﴾، وفي آية أخرى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾، وإنما تَشَعَّث النِّكاحُ بالطلقة وانعقد بها سببُ زوالِه؛ فالرَّجْعةُ تزيلُ شَعَثَه، وتقطعُ مضيَّه إلى البينونة؛ فلم يحتجْ لذلك إلى ما يحتاجُ إليه ابتداءُ النكاح»([6]).

* القول الثاني: أنّه يجب على الزوج إعلام زوجته بالرّجعة؛ فإن لم يعلمها لم تصحّ الرّجعة.

وإليه ذهب ابن حزم الظاهريّ، ورواه عن عمر، والقاضي شريح، والحسن البصريّ.

قال ابن حزم: «فإن وطئها لم يكن بذلك مراجعاً لها حتّى يلفظ بالرّجعة، ويُشهد، ويعلمها بذلك قبل تمام عدّتها؛ فإن راجع ولم يشهد فليس مراجعاً؛ لقول الله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾...  وأما قولنا: إنّه إنْ راجع ولم يُشهد، أو أشهد ولم يعلمها حتّى تنقضي عدَّتُها غائباً كان أو حاضراً - وقد طلّقها وأعلمها وأشهد - فقد بانت منه ولا رجعة له عليها إلا برضاها بابتداء نكاح بولي وإشهاد وصداق...».

ثمّ قال: «برهان ذلك: قول الله تعالى: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم﴾ ، وقال تعالى: ﴿ولا تضآرّوهنّ لتضيّقوا عليهنّ﴾،  وهذا عين المضارّة،  وقال رسول الله ﷺ :  «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»؛  فمضارّته مردودةٌ باطل. 

وأيضاً: فإن الله تعالى سمّى الرَّجْعة إمساكاً بمعروف؛ قال تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف﴾؛  فالرَّجْعة هي الإمساك، ولا تكون بنصِّ كلام الله تعالى إلا بمعروفٍ، والمعروفُ هو إعلامُها، وإعلامُ أهلِها إن كانت صغيرةً أو مجنونةً؛ فإنْ لم يعلمْها لم يمسك بمعروفٍ، ولكنْ بمنكرٍ...» ([7]).

 

إدارة الإفتاء

وحدة البحث العلميّ


_____________________________________


([1]) الهداية شرح البداية (2 /7).

([2]) بدائع الصنائع (3/181). وانظر: المحيط البرهاني لابن مازه (4/13).

([3]) شرح مختصر خليل (4/87).

([4]) الحاوي الكبير (13/199).

([5]) كشّاف القناع عن متن الإقناع (5/343).

([6]) المغني (10/343). 

([7]) المحلّى (10/251-253). 


 
عدد القراء : 3835