البوابة الاسلامية :: د. عبد الرحيم آل محمود: العفو عند المقدرة من دلائل التقوى
Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
د. عبد الرحيم آل محمود: العفو عند المقدرة من دلائل التقوى

    جُبِلَ الناس على محبة ذواتهم والانتصار لأنفسهم، هذه الصفات الغريزية كانت منذ الأزل هي البيئة الحاضنة لتطور الخلافات والنزاعات، بفعل تعارض المصالح، وتباين وجهات النظر، ثم جاء الإسلام حاملا مجموعة من القيم الإنسانية الرفيعة، التي تردع بوادر الظلم والإساءة للآخر، وتكُف نزوات الانتقام الشخصي، وتعلّم الإنسان أن يدفع بالتي هي أحسن، وتحثه على العفو والتسامح.
   حول فضيلة العفو تحدث الدكتور عبد الرحيم آل محمود، الداعية والمحاضر، مؤكدا أن الإسلام جاء رحمة للناس، من جهة يضمن سلامة النفس، ويحفظ كرامتها، ومن جهة أخرى يدعو للعفو والتسامح والإحسان للغير، وينهى عن الانتقام والعدوان.
    والعفو بتعريف بسيط؛ هو التسامح والتجاوز عن الخطأ وما يتبع ذلك الخطأ من ألم أو إيذاء، بالقول أو بالفعل، ويكون العفو في أجَلّ صوره عند المقدرة، أن يكون المرء قادرا أن يعاقب من أساء بحقه، وينزل به ضررا مساو لما ناله من ضرر وإساءة، لكنه يختار العفو بدلا من العقوبة، ابتغاء الأجر من الله تبارك وتعالى، وطمعا في المثوبة.
   ربنا سبحانه جل وعلا أمر بالعفو والإعراض عن الجاهلين: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:١٩٩}، والعفو كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لينتقم لنفسه قط، بل كان يعفو ويصفح، بل ويقدم الخير ويحسن إلى من أساء، والمواقف في ذلك كثيرة، والعِبَر أكثر، فعلى سبيل المثال، حين كان رؤوس الكفر يردونه وينكرون دعوته، أتاه ملك الجبال وقال له: "إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت"، لكن النبي عليه الصلاة والسلام بقلبه الكبير ونفسه المتسامحة قال: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، لا يشرك به شيئا" [رواه مسلم]، كان بإمكانه أن يدع ملك الجبال أن يهلكهم عن آخرهم، لكنه عفا عنهم صلى الله عليه وسلم.
   وليس أعظم من موقفه الكريم يوم فتح مكة، حين وقف عند الكعبة المشرفة، وجاءه كل القوم يترقبون ماذا سيفعل المنتصر بالمهزومين، فنادى فيهم: "ماذا تظنون أني فاعل بكم؟"، قالوا: "خيرا، أخٌ كريم وابن أخٍ كريم"، فما كان من نبي الرحمة إلا أن عفا عنهم جميعا بلا استثناء وقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، هكذا يكون العفو عند المقدرة.
   والعفو سمة من سمات المؤمنين الصادقين، الصالحين المخبتين، الذين يعلمون تمام العلم أن الله تبارك وتعالى يثيب على هذا السلوك، علاوة على ذلك، فالصفح عن الزلات من دلائل التقوى وصدق الإيمان، قال تعالى في محكم آياته: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة: ٢٣٧].
   لا شك أن من حق الإنسان أن يطلب القصاص، وأن يأخذ حقه من ظالميه، لكن العفو أكبر وأعظم أجرا عند الله، وهو فضل لا يقدر عليه إلا من ملك زمام نفسه، وآثر ما عند الله، طلبا للنجاة يوم القيامة.
   نحتاج اليوم في حياتنا أن نُفَعِّل بيننا فضيلة العفو عند المقدرة، فهي من أهم السلوكيات التي تحافظ على وحدة المجتمع وبقاؤه متماسكا، فلو ذهب كل فرد إلى الانتقام لنفسه ممن إساء إليه، ويدفع السيئة بمثلها، لسقط المجتمع في دوامة من البطش والعنف.
  كلنا يمر بمواقف يتعرض فيها للظلم والإساءة، وقد نال رسول الله الكثير من ذلك، وصحابته الكرام وتابعيهم، فكيف بنا؟ وكيف يعيش المجتمع إذا كان التناحر والتباغض والرغبة في الانتقام هي اللغة السائدة بين أفراده؟
  من أجل هذا ينبغي أن نُعلي قيمة التسامح، ونطبق مبدأ العفو في حياتنا ومعاملاتنا، ينبغي أن نعوِّد أنفسنا أن نقبل الأعذار، ونغفر الزلات، ونطْوِ عنا كل ما مضى، لنتخفف من أعباء الدنيا، وأن نتعلم أن نلقى الناس بمثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخيرا علينا أن نذكِّر أنفسنا كل حين بأن العفو عند المقدرة يُعِز الإنسان ويرفع قدره بين الناس، وحسبنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ" [رواه مسلم].

خريطة موقع الوزارة
شكاوى واقتراحات
مواقيت الصلاة
إستفتــــــاء


انضم للقائمة البريدية للموقع
 
 
page 

hits counter


 

وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - دولة الكويت